إالمفوض السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو يعلن دولة لبنان الكبير في 1 أيلول 1920، من على درج قصؤ الصنوبر في بيروت، في حضور البطريرك الماروني الياس الحويك ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا/ الصورة من أرشيف جريدة "لوريان لو جور"
الدكتور وسام اللحام أستاذ محاضر في معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت وباحث أول في المفكرة القانونية. متخصص في القانون الدستوري و تاريخ الفكر السياسي.
تحل ذكرى مئة عام على إقرار الدستور اللبناني في 23 ايار 1926 مع وجود جزء مهم من الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال الاسرائيلي وتزايد الحديث عن مشاريع التقسيم والانفصال ونهاية دولة لبنان الكبير في حدودها التي أعلنت خلال الانتداب الفرنسي في الأول من أيلول 1920. لذلك كان لا بد من استعراض، ولو مختصر، مفهوم وحدة أراضي لبنان كما يظهر في النص الدستوري مع الاشكاليات التاريخية التي أحاطت به.
من الملاحظ أن الدستور اللبناني شدد منذ 1926 على وحدة الأراضي اللبنانية وعدم قابلية الحدود للتعديل. فقد نصت المادة الأولى على أن « لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة » بينما أضافت المادة الثانية بشكل صريح أنه « لا يجوز التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنها ». وعندما تم تعديل المادة الأولى عام 1943 من أجل حذف الإشارة إلى أن حدود لبنان الحالية هي تلك التي تعترف فيها فرنسا، تم إدخال وصف تفصيلي للحدود مع تعداد أسماء القرى التي يمر بها الخط الفاصل بين لبنان وسوريا بشكل خاص.
وقد استعادت المادة الأولى، كما تم تعديلها عام 1943، حرفيا قرار المفوض السامي الجنرال غورو رقم 318 تاريخ 31 اب 1920 الذي حدد في المادة الثانية منه حدود دولة لبنان الكبير، باستثناء النص المتعلق بالحدود الجنوبية التي وردت في القرار بأنها حدود فلسطين كما سيتم تحديدها في الاتفاقات الدولية، بينما في الدستور جاء النص كي يشير إلى أن الحدود الجنوبية هي حدود قضائي صور ومرجعيون الحالية.
حرص شديد غير مألوف
فعند اعلان دولة لبنان الكبير كانت فرنسا حرة في تعيين الحدود الفاصلة بين لبنان والأراضي السورية كون المنطقة بأكملها وقعت تحت السيطرة الفرنسية، بينما حدود لبنان مع فلسطين كانت عبارة عن حدود دولية تفصل مناطق النفوذ الفرنسي عن مناطق النفوذ البريطاني، ما حتّم عقد اتفاقية مع الجانب البريطاني من أجل توضيح الحدود، الأمر الذي تم لاحقا في اتفاقية باريس، تاريخ 23 كانون الأول 1920 واتفاقية بوليه-نيوكومب، تاريخ 3 شباط 1922. لذلك في 1943 لم يعد من المستساغ النص على أن الحدود الجنوبية سيتم تحديدها في المستقبل كون الأمر كان قد تم في الاتفاقات المذكورة.
ولا شك في أن هذا الحرص الشديد غير مألوف كون الدساتير عادة لا تتضمن شرحا مفصلا كهذا لحدود الدولة. وفي الحقيقة لا يمكن فهم هذا الاصرار إلا من خلال الاعتبارات التاريخية التي كانت سائدة حينها إذ كان البعض ينظر إلى لبنان بوصفه كيانا يفتقر إلى الشرعية بسبب رفض قسم مهم من أبنائه المسلمين لحدوده الجديدة التي « فرضتها » فرنسا، وبسبب مطالبة القيادات السورية في دمشق بإعادة ترسيم الحدود وفصل المناطق التي ضمت إلى لبنان عام 1920 و« إعادتها » إلى سوريا لا سيما منها مدينة طرابلس.
ويظهر حرص الدستور على وحدة الأراضي اللبنانية في المادة 50 منه، المتعلقة بالقََسم الذي يؤديه رئيس الجمهورية عند بدء ولايته إذ يتوجب عليه التعهد بالحفاظ على « استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه ». وقد تكرر هاجس حماية الأراضي اللبنانية هذا بعد سنوات الحرب الأهلية الطويلة عندما أضيفت مقدمة إلى الدستورعام 1990 عملا باتفاق الطائف إذ نصت الفقرة « أ« من تلك المقدمة على أن لبنان وطن « واحد أرضا وشعبا ومؤسسات في حدوده المنصوص عليها في الدستور والمعترف بها دوليا ». كذلك الفقرة « ط« من المقدمة نفسها التي كررت أن « أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين...ولا تجزئة ولا تقسيم ».
تحديات ديموغرافية
إن هذا الحرص على وحدة الأراضي يظهر أيضا من خلال منع الدولة نفسها من التخلي عن أي جزء من الأراضي اللبنانية، وهذا أمر مستغرب من الناحية الدستورية. فالجمهورية الفرنسية الثالثة نصت في قوانينها الدستورية (المادة الثامنة من القانون الدستوري الصادر في 16 تموز 1875) على أن رئيس الجمهورية يتولى المفاوضات لعقد وابرام المعاهدات الدولية لكن أي تعديل لحدود الدولة عبر التخلي أو تبادل أو ضم للأراضي يحتاج إلى قانون، ما يعني أن وحدة الأرض لم تكن هدفا في حد ذاته إذ يمكن بكل بساطة تعديل الحدود عبر إقرار قانون في البرلمان. لكن دستور لبنان عام 1926 (الذي جاء في العديد من مواده مشابها للقوانين الدستورية في الجمهورية الثالثة الفرنسية) جاء خاليا من هكذا نص، إذ اكتفت المادة 52 منه بمنح رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض لعقد وابرام المعاهدات الدولية واشترطت الحصول على الموافقة المسبقة للبرلمان في بعض المواضيع من دون أي ذكر لمسألة الأرض.

إن هذا الإصرار على نهائية الدولة اللبنانية في حدودها الجديدة كان هاجسا لغالبية القيادات المسيحية لا سيما المارونية منها التي رسمت منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر صورة متخيلة عن لبنان بوصفه وطنا قوميا لها من ضمن حدود طبيعية لا يجوز المس بها. وقد تعنتت هذه القيادات (باستثناء إميل إده) على رفض أي طرح لرسم حدود جديدة للبنان على الرغم من أن بعض ممثلي الانتداب الفرنسي وجدوا أن التوازن الديموغرافي في لبنان الكبير لا يسمح بالحفاظ على غالبية مسيحية واضحة، ما يوجب التخلي عن بعض المناطق التي تقطنها غالبية من المسلمين.
لا بل أن المفوض السامي الفرنسي « هنري دو جوفينيل » الذي أشرف على وضع الدستور عام 1926 كان قد أبدى انفتاحا خلال تفاوضه مع القيادات السورية على إمكان تعديل الحدود اللبنانية، لذلك، وهذا ما يجهله العديد، جرى تضمين الدستور عام 1926 بطلب من سلطات الانتداب نصا هو المادة 93 التي أعلنت الآتي: « تتعهد الجمهورية اللبنانية بمقتضى الدستور تعهداً رسمياً أن تحكّم الدولة المنتدبة بتسوية الخلافات التي من شأنها أن تعكر جو الأمن، ولذلك فالجمهورية اللبنانية مستعدة لابرام الاتفاقات بينها وبين جيرانها وكل الدول الأخرى الراغبة في الاتفاق معها على أن تتضمن هذه الاتفاقات نصاً صريحاً يقضي بإلزام الدول المتعاقدة بالتحكيم الاجباري في كل خلاف ». فهذه المادة التي ألغيت عام 1943 مع الاستقلال كانت في الحقيقة اقرارا بحق السلطات الفرنسية في التحكيم في مسألة الحدود من أجل حلّ النزاعات التي قد تنشب بين لبنان وسوريا، اي ابقاء الباب مفتوحا على امكان تعديل حدود لبنان.
وحدة بلا سيادة
مئة سنة مرت على إعلان الجمهورية اللبنانية كان الدستور خلال سنواتها الأولى الدرع القانوني للإصرار على وحدة أراضي الدولة الجديدة. أما اليوم فقد انقلبت المعايير إذ بات البعض يطالب بالعودة إلى لبنان الصغير أو فصل بعض المناطق وعدم الرغبة في العيش مع « الآخرين » مع لامبالاة بمصير الأراضي اللبنانية المحتلة. فالأزمة التي يمرّ بها لبنان اليوم لا تتعلق فعليا بوحدة أراضيه، لكن بوحدة سيادته التي تتعرض للانتهاك اليومي من قبل احتلال لا يأبه بالقانون الدولي وجهات مسلحة غير شرعية صادرت حق الشعب اللبناني في تقرير مصيره عبر المؤسسات الدستورية. فأي دستور في العالم لا يحتاج إلى أرض موحدة دائما، لكنه بلا أدنى شك يحتاج إلى سيادة كاملة تتمكن عبرها الدولة من تطبيق أحكامه، إذ ما هي الفائدة من أرض لا سيادة فعلية عليها؟ مئة سنة ظن خلالها اللبنانيون أن تكريس وحدة الأراضي في نص دستوري يكفي، بينما المعضلة الحقيقة كانت ولا تزال تكمن في سيادة دولة منقوصة لا معنى للدستور من دونها.


Trump affirme qu'un accord avec l'Iran « se rapproche grandement »