العاشقان - رسم : صهيب ايوب
بلسان مبتلٍ، راح يحركه، بفم رالف. يترك فيه وشوشاته. صمته. يمسك وجهه بأصابعه التي جلفها شغله الطويل في الورش. كان يفلت اللسان منه. داخل أسنانه المكسوة بصفار قليل. تفلت منه أيضاً كلمات مقطعة. مذبوحة. تعويذات تذكّره بجدته في وادي خالد. حنة يديها المرسومة بعناية وأوشام ذقنها الحزينة. رائحة القصب حين شم رائحة جلد رجل عند النهر الشمالي، لأول مرة تختلط برذاذ ملح السماء. تلمع المدينة فوق رأسيهما هو ورالف. وتلمع في عقله كلمات ومسبات كثيرة. يلجمها. يبتلعها كما ابتلع قبل قليل المهدئ، وقبل أن يشم بخفة زيح الكوكايين في الحمام المطل على مطعم ديوان. المدينة تحت القصف تشبه ليل النوادي. هذا ما يشعر به. يحرك لسانه الثقيل من كثرة الكحول والحب.
-اذا فلّيت ع فرنسا بتفل معي؟
سأله رالف.
-ليش بيعطوا فيزا لواحد بلا وراق؟.
ضحك. كانت دمعة ثقيلة في محجره تسقط عميقاً. تنام. لا يراها أحد. تسكن جسمه الذي كبر في الضيعة تائهاً. وحيداً. كانوا يضعون له الكحل في عينيه. يخافون أن تقول النوريات الذاهبات الى حماه أنه يشبه البنات. لكنه حين كبر جسمه الضخم وأصابعه الكبيرة، نسوه. هو وحده ينسى أنه بلا جنسية أحياناً، وأنه ككثر في هذا البلد يحيا كما تحيا البقايا والشذرات الضائعة كالشعر، والألوان الباهتة في المرايا، وعلب الماكياج الصغيرة، وكأثر النوم الخفيف عند الظهيرة. يحيا لأنه غير مرئي أحياناً. يخرج عند الخامسة فجراً الى البور. يشغّلونه في أعمال النهار الطويلة وهو يفكر بحسب بأصابع رالف وملمس خديه. يشغلونه. هم ناس يوقفون سياراتهم الفارهة أمامه. يكادون لا ينظرون في عينيه. عاملاً في البناء، أو عتالاً او بائعا أو حتى حبيباً لساعة. عمل في كل شيء في بيروت ولم يحبها لكنه أحب رالف. ويكاد جسده الناعم مدينته فيها. يعرف عدد حبات الحسن فيه. يعدّها بأصابعه التي وسختها أعمال التلييس والتبليط. ناس ينامون في الشارع وفي العراء وفي مهب الريح والمطر وناس يبنون ناطحات سحاب من اسمنت وزجاج.
-مدن في مدينة.
هو يعرف هذا. منذ ان رأى النازحين يقفون وحيدين أمام النار والماء ويبتسمون له وهو عائد من عمله. وحين يدخل الى الأشرفية، يدخلها بقميصه النظيف الوحيد الذي ينفضه مراراً كي يزيل عنه بقايا الاسمنت ورائحة العرق والدهان والطربنطين. وكي يزيل عنها عيون سكان مدينة الأشرفية. التي يعرف أنها ليست مدينته. بل مدينة أخرى. لا يطيقها. ولا يطيق عيونه سكانها. عيون أهل الأشرفية التي يكرهها. يتحدثون فقط الفرنسية. اللغة التي لا يعرفها ولا يريد أن يعرفها.
يقبّله رالف بشراهة، حين يعود في اليوم التالي عند الباب. لم يعد يخاف رالف من كلام كلودين وغلاظة جسمها ونظراتها. ولا رجال الرب وأسطورتهم.
يعرفان معاً، أن النوم مستحيل هذه الليلة. لكن القبل آتية. شهية. كثيرة. مبتلة.
- معقول نموت؟
صمت. يشعل له سيجارة لف. تبغ عربي. يحدثه بكلمات بدوية. لا يفهمها رالف. يقرأ له رالف شعراً، من كتاب يستله من طاولة قرب السرير. « "لا أعرف كيف لا تتوقف أرجلنا عن المشي حين نفقد شخصاً نحبه. ألم نكن نمشي لا على قدمينا بل على قدميه؟ ألم تكن النزهة كلها من أجله؟ ألم يكن هو النزهة؟ »".
تنزل دمعة من عينيه. لأول مرة يسمع قصيدة. يسأله عن كاتبها يقول له إنه شاعر من شمال لبنان مثله، اسمه وديع سعادة. وإنه ترك لبنان وهاجر الى استراليا. يمسح له رالف دموعه. أشاح بنظره نحو السماء التي تلمع وتكاد أصواتها تخيفه لكنه لا يبالي. هو في نزهته، يحاول أن ينسى أن رالف أيضاً سيهاجر.
صهيب أيوب
روائي وكاتب مسرحي وصحافي. له روايتان: "رجل من ساتان" (هاشيت انطوان، ٢٠١٩)، و"ذئب العائلة" (هاشيت انطوان) ، ترجمت إلى الفرنسية لدى دار "آكت سود" (٢٠٢٥)، وستصدر ترجمتها الإيطالية لدى "كروشيتي" (٢٠٢٧)


