سائق دراجة نارية يمرّ أمام مبنى تضرّر خلال الحرب الأهلية السورية، في حرستا في ضواحي دمشق، سوريا، في 28 أيار 2025. Photo Matthieu Karam/L'Orient Le Jour
ياسين الحاج صالح كاتب ومفكر ومعارض سياسي سوري ولد في الرقة عام 1961. اعتُقل عام 1980 بسبب نشاطه في صفوف المعارضة الشيوعية، وأمضى ستة عشر عامًا في سجون نظام حافظ الأسد. وبعد الإفراج عنه، أصبح أحد أبرز الأصوات الفكرية للثورة السورية التي اندلعت عام 2011. وبعيدًا من المقاربات المألوفة، تقدّم كتاباته قراءات مبتكرة على نحو خاص للاستبداد، والإسلام السياسي، والسجن والمنفى، وكذلك للإمبريالية في مختلف أشكالها.
في هذا المقال، يرى الكاتب أن أزمة إعادة إعمار سورية تكمن أساساً في احتكار السلطة وسوء إدارة الموارد وتحالف السلطة والثروة والطائفية، داعياً إلى إعطاء الأولوية لإعادة بناء المجتمع والدولة بمشاركة السوريين وتلبية احتياجاتهم.
التعميم الذي صدر قبل أسبوعين من رئاسة الحكم الانتقالي في سورية داعياً الجهات العامة إلى ضبط الانفاق، سبقه تصريح من وزير الطوارئ يقول فيه إن القوى الدولية خذلت الشعب السوري حين لم تبادر إلى عقد مؤتمر مانحين يساعد في إعادة إعمار سورية، البلد المدمر بأثر سنوات طويلة من الصرع العنيف.
هل المسألة فعلاً قلة موارد، يجري التفكير فيها كتدفقات مالية تأتي من الخارج؟ هذا جانب لا يُنكر من مقتضيات إقلاع تنموي سوري. لكن الجانب الأهم هو حسن تخصيص الموارد المتاحة على نحو يخدم الإقلاع التنموي، ويخاطب حاجات عموم السوريين إلى السكن والتعليم والاستشفاء والخدمات الأساسية، ويزج القادرين منهم في عملية إعادة الإعمار. ما جرى خلال ما يقترب من عامين هو معاملة عموم السوريين كموضوع سلبي لإعادة الإعمار هذه، وليس كذات العملية وفاعلها وضامن استدامتها. التفكير في العملية مقلوبة، وحتى لو جاءت الأموال، لكان مرجحاً أن تهدر على مشاريع عقارية ومولات، وعلى مكاتب الوزراء وسيارتهم ومواكبهم بسيارات التاهو الفارهة وغالية الثمن، مثلما هو جار فعلاً.
قبل الفساد المؤكّد في مراتب السلطة الجديدة، هناك فساد في التفكير نحاول هنا النظر في بعض جذوره.
أولها، هو روحية الاستئثار التي يكثفها شعار « من يحرر يقرر » الذي يعني نقل ملكية البلد من الأسديين إلى « المحررين » كضرب من المكافأة على « التحرير » أي تحويل الثورة إلى ثروة. وهذا يختزل إلى استبدال سلطة بسلطة، ومالكين بمالكين، وإحالة السوريين الآخرين، بمن فيهم أكثر جمهور الثورة إلى تابعين أو مهمّشين. وبالفعل كانت الديناميكية الأساسية خلال الحقبة الماضية تركيز السلطة الفعلية في أيدٍ من « هيئة تحرير الشام »، وإحاطتهم بالموالين. هذا يتوافق مع المحسوبية ومحاباة الأقارب، ما يبدو محققاً سلفاً، وليس مع الكفاءة والأمانة. تدفق الأقارب والمحاسيب على العاصمة، آتين من الأرياف والمدن الأصغر، يذكر بشيء مماثل جرى في أواسط ستينيات القرن الماضي، مثلما أظهر سامي الجندي في كتابه:«البعث»: الراحل ميشيل كيلو سمى ذلك « غزو السلطة ». هناك غزو مماثل اليوم.
الشيء الثاني هو قلة المبدئية في تكوين السلطة الجديدة والموالين لها. قد يبدو هذا غريباً، بالنظر إلى أن ما يفضّل أن يشكو منه كثيرون هو بالأحرى أننا حيال متدينين متشددين. ليس هناك تناقض. المزيد من التديّن قلما يعني المزيد من الأخلاقية. واللغة والرمزيات الدينية تحجب واقع غياب المبدأ لمصلحة الهوية الفئوية. وهو ما سهّلت من أمره مظلومية قطاعات واسعة من الجمهور السني، تبرر بدورها مكافأة النفس بما تطاله أيدي النافذين منها. الثروة هي المكافأة.
ويتصل بذلك الشيء الثالث المتمثل في التساهل مع خطاب الكراهية الطائفي الذي شكل استمرارية لموجتين من المجازر استهدفتا العلويين والدروز. إضعاف المجتمع السوري بالمجزرتين يستمر عبر التحريض والكراهية الطائفية يتولاهما مؤثرو السلطة و« طبّالـ »يها، ويضعف الحس الاجتماعي في أوساطها وضمن جمهورها وبين عموم السوريين. بصورة تذكّر بـ (رئيسة الوزراء البريطانية السابقة) مارغريت تاتشر قبل أربعين عاماً، يكاد يكون الشعار الضمني للحكم الجديد أن المجتمع غير موجود. ما الموجود؟ السلطة، وهي تحب أن تستعرض نفسها وأن تُرى وتُحَب طوال الوقت، ثم هو المال الذي يشتري أشياء ثمينة (وليس الرأسمال الذي يستثمر وينتج)، ثم الدين كرابط هويتيّ طائفي لا كضوابط أخلاقية عامة.
ويكمل مفعول هذه العناصر الثلاثة ضمور الحس الوطني السوري في مراتب السلطة بفعل قوة الطائفية، ثم الروابط الإقليمية والدولية المرتجلة التي تبدو ملزمة للحكم الحالي وليس للقوى الدولية المعنية، ثم كذلك بفعل النمط الاقتصادي المعتمد، المتمركز حول السوق، والذي لا يبدو معنياً بإنتاج محلي ومجتمع منتجين مستوجب للحماية.
ويتوحد أثر هذه العناصر في أنها تضع بين قوسين الثورة السورية، قيمها ومن ظلوا أحياء من الثوريين الديموقراطيين والوطنيين، وأكثر قاعدتها الاجتماعية التي تعرضت لأشد الضرر من تدمير وتهجير وعانت أشد العناء من الحكم الأسدي. أهالي جوبر والمزة والمعضمية وغيرهم ممن جرى الاستيلاء على ملكياتهم في الحقبة الأسدية، يجدون هذه الملكيات معروضة لاستثمارات عقارية نخبوية (ونهبوية) على يد « المحررين » في العهد الحالي. هذا الحكم ليس وريثاً للثورة السورية، وإن جمعته بها إرادة التخلص من الحكم الأسدي. والثورة التي يجري صرفها بثروات ليست الثورة السورية، بل انتحال لشخصيتها يختزلها إلى استبدال طائفي. يسهّل من أمر هذا الانتحال مشاركة ثائرين يتفوق الطائفي على الوطني في تكوينهم.
المناخات السورية الحالية تذكر من أكثر من وجه بسنوات حكم أنور السادات في مصر: انفتاح اقتصادي عشوائي ومن دون ضوابط، المحافظة الدينية، التعويل على العلاقات الدولية وشخصنتها. مثل مصر سبعينيات القرن الماضي تبدو سورية ومجتمعها اليوم تنتقل من شكل من الضعف أمام السلطة، إلى الضعف أمام أهل الثروة والقوى الدولية، من دون أن تصير أقوى أمام السلطة. ومن غير المحتمل للنتيجة أن تكون مختلفة: فقر مستعص، وسيادة متزايدة النقص، ونزاع مستعص بدوره بين منطقين دولتي وديني.
بالعكس يبدو أن تحالف السلطة والثروة والدين يدخل البلد في مسارات محفوفة بالمخاطر، لا تستطيع القوى الدولية حماية السوريين منها.
هناك شيء واحد صحيح اليوم: التراجع عن هذا المسار، وإعطاء الأولوية للاجتماعي والوطني السوري، وبناء النظام السياسي حول ذلك. فإذا جاءت الأموال، توافق ذلك مع حسن استخدامها. وإن لم تأت، عمل السوريون الذين يجدون الاعتراف والاحترام في بلدهم على إعماره بما يستطيعون. الإعمار هو إعمار المجتمع والدولة أولاً، أي هو عملية إعادة بناء وطني شاملة. وهو ما تطلعت إليه الثورة السورية في الأصل.
ياسين الحاج صالح
كاتب وناشط سوري
تابعوا مقالات ياسين الحاج صالح مرةً شهريًا في «أصوات من الشرق الأوسط»، مساحة الأفكار بثلاث لغات في « لوريان لوجور ».