Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

أصوات من الشرق الأوسط - رأي

عن حزب الله "القبضاي"...


عن حزب الله

عدد من أنصار حزب الله يهنقون خلال مراسم إحياء الذكرى الأولى لإغتيال الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله، أمام ضريحه في الضاحية الجنوبية لبيروت، في 27 سمبتمر 2025. تصوير محمد ياسين/ لوريان لوجور.

حازم صاغية أحد أبرز أعلام الصحافة العربية. عمل في صحيفة «السفير»، ثم في «الحياة»، قبل أن ينضمّ إلى «الشرق الأوسط» عام 2019. ينظر إليه على أنه أحد أكثر الاصوات النقدية تأثيرًا في السجال الفكري العربي المعاصر. وتتناول مؤلفاته ومقالاته بصورة أساسية قضايا السياسة والثقافة، وتتميّز بنقدها للفكر القومي والسلطوية والإسلام السياسي.

في هذا المقال، ينتقد الكاتب خطاب حزب الله ويربطه بالصورة التقليدية لـ «القبضاي»، تلك الشخصية المتناقضة التي تجمع الحماية والعنف والهيمنة الذكورية وتستغلّ ضعف الدولة.


« لنا معهم حساب قريب ». « العدوّ يتحسّب لهجوم الحزب ». « لم يروا بعدُ شيئاً من بأس المقاومة ». « مرّغنا أنوفهم بالوحل ». « أنزلناهم إلى الملاجىء »...

هذه عبارات تتكرّر في كلام مسؤولي حزب الله وإعلاميّيه، وغالباً يصحبها التوكيد بأنّ الحزب منتصر، وعدوّه ضعيف ومأزوم.

وحين ندقّق في الكلام، يأتينا من خلفه صوت « القبضاي » الذي تُظهره فولكلوريّات شعبيّة يفتل شاربيه افتخاراً.

و"القبضاي"، وأصل الكلمة تركيّ،إحدى أكثر الشخصيّات التمثيليّة في حياتنا العامّة ولغتنا السياسيّة، فإذا تراجع حضوره الماديّ فـ "ثقافته " المعروفة بـ "القبضنة " لا تتراجع. هكذا نكتشف "قبضاياً" يختبىء تحت كلام السياسيّ، حتّى لو كان برلمانيّاً. فالأخير، عندنا، كثيراً ما يردّد عبارة « لا يزايد أحد علينا »، وقد يردّ على مُعارِضه بـ "مش عارف حالك مع مين عمتحكي". ودائماً كان اللبنانيّون يمتدحون سياسيّيهم كـ "قبضايات"، يصحّ هذا في المدن، خصوصاً مع (رئيسي الحكومة السابقين) رياض الصلح وصائب سلام، وفي الريف، خصوصاً مع (رئيسي الجمهورية السابقين) كميل شمعون وسليمان فرنجيّة. ومؤخّراً توسّع ألبوم "القبضنة"، فبِتنا نقع على عشّاق لنتنياهو يرونه "القبضاي" المنشود، وهذا فيما تشتدّ السجالات التلفزيونيّة بين متحدّثَين يحاول كلّ منهما أن يفوق الثاني "قبضنةً"، وأحياناً يرتفع الصوت ويتمّ تبادل الشتائم بما قد يوصل إلى الضرب.

فما يفعله حزب الله ليس، بالتالي، غريباً ولا طارئاً على « تقاليدنا ». وهو إذا كان ينتسب إلى مرجعيّات بطوليّة مقدّسة، فالـ "قبضاي" يعثر على سلفه في ماضٍ ذهبيّ ما، وسَلفُه هو « الفارس » – ذاك المثال البطوليّ الذي أطنب الشعر العربيّ، منذ عمرو بن كلثوم وعنترة، في امتداحه (قبل أن يبتذله إلصاقه بباسل الأسد).

ولربّما صحّ القول، في تفسير اتّساع نطاق المفهوم، إنّ بلدنا، والبلدان المجاورة، مسارح تلاقى فيها مصدرا "القبضنة" العربيّ والمتوسّطيّ. لهذا تستعرض الظاهرةُ نفسَها في قُرانا، وأيضاً في بعض أحياء المدن وحاراتها ذات الماضي الحِرَفيّ الذي انبثقت منه روابط للتضامن والحماية بين أفرادها. وتوفير الحماية للآخرين في مجتمع يتبادل المخاوف، ويستنجد أهله بـ »حامي الحمى » و« حامي العِرض »، سببٌ لشرعيّة "القبضاي" الأخلاقيّة، سيّما وأنّه قد يذهب أبعد فيساعد الفقراء والضعفاء كما كان يفعل روبن هود. وبدورنا نعرف كيف أنّ حزب الله « يحمينا »، ولو غصباً عنّا، وقد سبق له أن أقام مؤسّسات لخدمة من يدعوهم إلى الموت شرط أن يموتوا مَحميّين.

فهناك إذاً فصامٌ ما يحيق بالقبضاي. فكمثل روبن هود، هو « وهّاب » و« نَهّاب ». أمّا عضو المافيا، وهو أيضاً "قبضاي" بطريقته، فيتضرّع لمريم العذراء قبل السطو على مصرف أو قتل بريء. وصحيح أنّ شخصيّة "القبضاي" الإيجابيّة (التي تتشابه جزئيّاً مع « الفتوّة ») تتناقض كلّيّاً مع « البلطجي » و« الشبّيح » السيّئين بإطلاق. مع هذا هو ابن عمّهما يشاطرهما تحويلَ العضل أداةَ نفوذ، ومثلهما ينوب عن الدولة حين تضعف: فـ "القبضاي" يُفترض أن ينوب عنها في وظائفها الخدميّة، وهما ينوبان عنها في وظائفها القمعيّة، وهذا لا يلغي أنّهم جميعاً « ينسّقون » مع أجهزة الأمن، وبعضهم يولد أصلاً في حضنها.

وكحزب الله ففي "القبضاي" « فيجيلنتي » يطبّق « عدالة » تتجاهلها الدولة، كاعتقاله لصوصاً وخارجين عن القانون، كما كان يحصل إبّان « حمّى الذهب » في أميركا أواسط القرن التاسع عشر، لكنّه قد يرعى معايير وعلاقات تجافي القانون، كالتراتُب العنصريّ الذي كانت تفرضه كوكلوكس كلان.

وهو تعريفاً يُقصي النساء عن « مهنته » التي لا يمتهنها إلاّ الرجال، وهي « مهنة » مضادّة للمرأة حتّى حين « تحميها ». وكانت الإثنولوجيّة الفرنسيّة جيرمين تيّون، التي درست المتوسّط، علّمتنا أنّ عنف الرجال المؤسّس على « الشرف » ردّة فعل على توريث النساء. فتوريثهنّ هذا يكسر حصر المُلكيّة في العائلة، بسبب زواجهنّ من أصهار غرباء. وتتماهى القبضنة والرجولة في الثقافتين المكتوبة والشفويّة. فـ "الحبس للرجال " حين لا يسعفهم الحظّ، و"القبضاي" مرشّح دائم للحبس، وهناك دائماً « الرجال وأشباه الرجال »، و« الرجل الرجل »، خصوصاً متى تنحسر قبضنته في الفضاء العامّ، فيمارسها على زوجته وأبنائه. وأذكر أنّ أحد مُحبّي صدّام حسين لم يجد ما يقوله في نقاش متوتّر سوى: « لكنّكم لا تستطيعون إنكار أنّه رجل »، ظانّاً أنّه أفحم مُناقشيه.

وازدواج موقف "القبضايات"/الفتوّات من المرأة نجد مُعادله حيال الوطنيّة. فهم، كما أخبرنا الجبرتي، شاركوا في انتفاضة القاهرة ضدّ الفرنسيّين سنة 1798، لكنّ « وطنيّتهم » لم تردع المؤرّخ المصريّ عن تسميتهم « أوباشاً » و« حشرات [حيّ] الحسينيّة » و« زُعَر الحارات البرانيّة ». وفي الجزائر نسب فرانس فانون إلى "القبضاي" وبيئته المدينيّة الرثّة دوراً في حرب التحرير و« استعادة طريق الأمّة »، لكنّ فانون حذّر أيضاً من إمكان استخدام المستعمِر له في مواجهة الثوّار.

والحال أنّ "القبضاي" برهن، من خلال الميليشيات، على قابليّته للتحديث والتعايش مع الحزب واللغة الأيديولوجيّة والإعلام. وقبل حزب الله كنّا شهدنا حلول المسلّح الفلسطينيّ وتابعه الحزبيّ اللبنانيّ المسلّح محلّ "القبضاي "البيروتيّ التقليديّ. فبمعونة القضيّة الثقيلة والسلاح الثقيل صارت القبضنة وظيفة « الكفاح المسلّح ». أمّا "القبضاي" القديم، الذي اعتمدته أجهزة الأمن الشهابيّة و« نظّمته »، فلم يبق منه إلاّ فولكلور جسّده محمّد مرعي وعصام كشتان في أعمال الأخوين رحباني.

لكنّ هزيمة علي الطاهر جاءت تنزع آخر أوراق التوت عن قبضنة كبير قبضاياتنا وأشدّهم تحديثاً.

حازم صاغيّة

تابعوا مقالات حازم صاغية مرتين شهريًا في «أصوات من الشرق الأوسط»، مساحة الأفكار بثلاث لغات في لوريان لوجور.






حازم صاغية أحد أبرز أعلام الصحافة العربية. عمل في صحيفة «السفير»، ثم في «الحياة»، قبل أن ينضمّ إلى «الشرق الأوسط» عام 2019. ينظر إليه على أنه أحد أكثر الاصوات النقدية تأثيرًا في السجال الفكري العربي المعاصر. وتتناول مؤلفاته ومقالاته بصورة أساسية قضايا السياسة والثقافة، وتتميّز بنقدها للفكر القومي والسلطوية والإسلام السياسي.في هذا المقال، ينتقد الكاتب خطاب حزب الله ويربطه بالصورة التقليدية لـ «القبضاي»، تلك الشخصية المتناقضة التي تجمع الحماية والعنف والهيمنة...