Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

الجنسية لعائلة الأم اللبنانية : حقّ، وليس مجاملة


الجنسية لعائلة الأم اللبنانية : حقّ، وليس مجاملة

لبنانيات يتظاهرن للمطالبة بحقهن في منح الجنسية لأطفالهن. صورة من الأرشيف: Anwar Amro/AFP

سحر مندور روائية وصحافية لبنانية–مصرية، وُلدت في بيروت لأم لبنانية وأب مصري. درست علم النفس في جامعة القديس يوسف، وحصلت على ماجستير في الدراسات الإعلامية من SOAS (جامعة لندن). عملت في جريدة «السفير» اللبنانية بين عامي 1998 و2017، واهتمت بقضايا المرأة والحركات الاجتماعية والثقافة. منذ ٢٠١٧، هي الباحثة المختصة بالشأن اللبناني في منظمة العفو الدولية.

رواياتها الخمس هي: «سأرسم نجمة على جبين فيينا»، و«حب بيروتي»، و«32»، و«مينا»، و« القطّ الأسود ذو العين الواحدة ». وتتناول أعمالها قضايا الهوية والحرية وحياة النساء والقلق في المجتمع اللبناني.

في هذا المقال، تعرض الكاتبة من خلال سردٍ شخصي أشكالَ التمييز المفروضة على أبناء الأم اللبنانية والأب الأجنبي، الذين يُعامَلون كدخلاء في وطنهم نفسه.


هناك شيء ما فيّ توقّف عن الغضب من الدولة والإحساس بالقهر، وانصرف في اتجاه صياغة انتظارٍ صامتٍ تشوبه خيبة الأمل ولا يخلو من الحدّة، تجاه الدولة.

على مرّ عقود عمري، راقبتُ الدولة تتغيّر بالوجوه والأسماء والطوائف الحاكمة، ولا تغيّر في نظرتها إلى السيدة اللبنانية، وصولاً إلى يومنا هذا، وقد بات يرأس سلطتها التنفيذية قاضٍ رفيع المقام، متخصص في حقوق الإنسان. لديّ أمل في أن يصحح ظلماً وخطأ فادحاً في حق جميع نساء هذا الوطن. لكني أرى القضايا المزمنة تعود لتشغل جداول الأعمال، وتؤجِّل إلى جلساتٍ لاحقة مشروع قانون مساواة المرأة بالرجل لجهة الحق في منح الجنسية إلى أفراد عائلتها.

ولدتُ في بيروت الحرب الأهلية وبقيت أمي في المستشفى لعشرة أيام قبل وبعد ولادتي، لأن المعابر مقفلة والطرقات مقطوعة. صنع الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في العام 1982 أولى ذكرياتي، عندما تهدّم بيت أهلي على من فيه، بفعل صاروخٍ إسرائيلي، وخبأتني خالتي تحت جسدها كي لا أموت. خالتي، مديرة المدرسة الرسمية، توفيت منذ سنةٍ تقريباً عن عمر 96 عاما، ودفنتها في مدينتها بيروت، وبقيتْ حتى آخر يومٍ من عمرها تقول: « أرفض أن أصدّق أنك ولدتِ هنا وعشتِ هنا ودرستِ هنا واشتغلتِ هنا، وما عاطيينك الجنسية. أمك لبنانية، نحن عيلتك.. إقامة مجاملة، قال ! ».

أنا في الواقع أسوأ بعد من « إقامة مجاملة »، أنا: سقط سهواً.

في العام 1994، فتحت الدولة اللبنانية باب التجنيس ضمن شروط معينة. أمي، ولية أمرنا أختي وأنا، قدمت لنا حينها طلبَي تجنيس ضمن ملفٍ واحد. الدولة اللبنانية اقتنعت بنا، أصدرت مرسوم التجنيس حاملاً اسم أختي، بينما اسمي « سقط سهواً » من المرسوم. إثره، استعر الهجوم في البلاد ضد المجنسين والتجنيس، صوناً للتوازن الطائفي و« نوعية اللبناني » التي تم المساس بها عبر تجنيس الجنس غير الصافي، فتمّ تجميد الملحق الذي يصحّح أخطاء المرسوم، وأنا، منذ ذلك الحين، أعيش بموجب إقامة، أحياناً تسوء شروطها وأحياناً تتحسّن. أشعر أنني مقيمة على كفّ عفريت، كالبلد في مراحله الأمنية الكثيرة.

عشتها كلها، هذه المراحل الأمنية، وغطّيتها لعشرين سنة كصحافية في جريدة « السفير »، وأوثّقها اليوم كباحثة في منظمة العفو الدولية.

عشتُ في قلب الحدث اللبناني، تأثرتُ به، سعيتُ إلى أن أؤثر فيه، وبقيت يدٌ ترتفع في وجهي كلما تماديتُ ونسيتُ الأوراق، شاهرةً بطاقة الإقامة، كالبطاقة الصفراء في كرة القدم. تبقين في اللعبة، لكن بحذر. فأنت لستِ من هنا.

في فترةٍ أولى من نضالهن، طالبت الأمهات بالمساواة في الحقوق. قال لهنّ المشرّع آنذاك: أنتنّ ناقصات، يُغرّر بكنّ، فتتزوجن وتنجبن من قد لا نريدهم في مجتمعنا. أنتن مواطنات لكن ضمن شروط وقواعد محددة. أذكر نائباً قال إن « المرا بتعنّس، بيضحك عليها واحد فلسطيني أو سوري، بتتزوجه وبتبلينا بولاده ». وقالت الأكثرية النيابية إن ذرية النساء ستخلّ بتركيبة الوطن الديموغرافية.

حينها، وفقت الأمهات في مواجهةٍ مع قوامة الرجل، أيّ رجل وكلّ رجل، عليها، وقلن: نحن كاملات، ولنا كامل الحقّ.

الإصرار صاغ فترةً ثانية من نضال الأمهات وأبنائهن وبناتهن، وصار الخطاب مكثفاً، واستعراض القصص الشخصية ضغطاً، وتوضيح الخلل نهجاً، والمطالبة بالمساواة أمراً. خلال تلك الفترة، احتدّت حملة « جنسيتي حقٌّ لي ولأسرتي » بسواعد النساء، وكانت الدولة تمرّ في مرحلة تجمّلٍ، بوزير داخلية قانوني لا أمني (زياد بارود)، لم يستطع انتزاع الحقّ كاملاً، فمنح المجتمع فتاته بما يكفي حاجته: إقامة مجاملة، تجدد كل ثلاث سنوات، مجاناً.

آنذاك، في العام 2009، انتهت مرحلة من حياتي استمرت لعشرين عاماً تقريباً، هي مرحلة: تجديد الإقامة سنوياً، بمبلغ قدره 250$، مشروط بأن أستكمل صفات الإبنة غير العاملة التي لا تمتلك ملكاً، في بيت أهلها. كانت الدولة ترسل مفتشين للاستخبار عن وضعي، بالسرّ. مرةً، اكتشفوا أني أعمل في جريدة « السفير »، فمنعوا إقامتي، وصدر قرار بترحيلي. تدخلت إدارة « السفير » وحالت دون ذلك، وتم إصدار إجازة عملٍ لي، بصفتي « مترجمة من العبرية »، لا محرّرة، لأن اللبنانيين قادرون على ممارسة الصحافة والتحرير، ولن تسمح الدولة لي أن أسرق منهم فرصة عمل. أما الترجمة من العبرية فهي ليست كفاءةً يتشرّف اللبنانيون بامتلاكها، بينما أنا، كمصرية، فلا بأس.

كمصرية، صنعتُ هويتي عبر قراءة الكتب والاستماع إلى الموسيقى، إدمان المطربات والمطربين، مشاهدة الأفلام، متابعة المسلسلات، الفن في كل أشكاله، فأهل مصر على امتداد المليون كيلومتر مربع، معجونون به. ثم، لما حلّ السفر المنتظم إلى القاهرة، صنعتُ مساحةً لي بين أسرتي وجيراني أولاً، ثم أصدقاء الشباب والكتابة والرواية، ثم زملاء الصحافة والبلد والنيل. صنعتُ نفسي كابنة هذا البلد الساحر، ولدي الأوراق الرسمية لتثبت ذلك. مصرية أبّاً عن جد، غير مجنّسة.

كلبنانية، لدي كامل حياتي، قرأت الكتب وأدمنت الموسيقى، كتبت المقالات وحرّرت الملاحق. لدي أصدقاء عمر في الحلوة والمرة، لدي عائلتي وجيراني، لدي زملائي ولدي مناطقي، لدي المُعاش العميق الطويل، ولدي أوراق رسمية تثبت عكس ذلك: مقيمة، وبالمجاملة. لا يكون المرءُ لبنانياً، أمّا عن ستّ.

هي ثنائيةٌ في الانتماء، بسيطة بساطة أن تحب المرأة رجلاً من جنسية غير التي تحملها. ثنائيةٌ، لا تفسد للانتماء قضية، وإنما يحتفل بها لبنان عندما تأتي من غير الأم، عندما يكتسبها الفرد عبر دفع الضرائب في بلدٍ آخر. أنا أدفع الضرائب هنا، وأدفع اشتراك الضمان الإجتماعي، ولا أستفيد منه أو من سواه.

ومع ذلك، منذ نعومة أظافري، أتعرّض للشك والتشكيك. بعد الدولة وأوراقي الرسمية التي جعلتني طفلةً ببطاقة إقامة، حان موعد المجتمع: « وين بتحبي أكتر؟ مصر أو لبنان؟ ماما أو بابا؟ »، وصولاً إلى الحسم تبعاً للموقف: إذا أعطيت رأياً لم يُعجب، يقال لي أني لا أمتلك صلاحية الرأي لأني، في النهاية، « مش لبنانية ».

تلك الإما / أو، وُلدتُ ببساطة وسلاسة ومن دونها، واجتهدت الدنيا لتفرض سلطتها عليّ.

ثنائية الانتماء ليست خيانة لأي من الوطنين، بل اتساعٌ في مساحة الانتماء. أشعر بهذا الاتساع الرحب بدلًا من صلابة الوحدة وتشنّجها؛ فلستُ من معدنٍ واحد، وإنما أكثر. والثنائية تغري بالتفكير في المزيد والممكن، فيما تهدد الوحدة التي تشتد على نفسها بالأحادية وإلغاء الاحتمالات.

الثنائية هي اتساعٌ في عضلة الانتماء، عضلةٌ ليّنة تتمدد وتنكمش بحسب الأوقات والمواقف والمراحل. عضلة لا تتمزق، لكنها تُصاب بجروحٍ من نوعٍ آخر: تنطفئ تحت الحروب والإنهيارات، تتشقق مع انفجار الرابع من آب، وتتشنج مع رحيل أصدقاء العمر أو المرحلة، بعد حربٍ كحرب تموز، أو بعد انفجارٍ كانفجار بيروت.

انا خرجت من رعب الحرب الأهلية الى مطحنة مجتمع التسعينيات واعادة الاعمار. عشت فوق مقابر جماعية، وفي غابة مرحلة الاغتيالات وقلقها، وكلما توقعنا خيراً يأتينا الأسوأ. الحزب والاحزاب والحرب، الثورة والامل واليأس والخراب. وها انا اليوم، في محيط منتصف العمر، أدفن الغالين عليّ هنا، بينما أنهض من حربٍ وأخشى أخرى، انتظر أملاً وأعد قتلى، وأخشى موعد رحيلٍ جديد بينما احتضن كلّ من وما زلت املك.

وفي خضم هذا كله، يحين موعد تجديد الإقامة.

سحر مندور

كاتبة وروائية وصحافية






سحر مندور روائية وصحافية لبنانية–مصرية، وُلدت في بيروت لأم لبنانية وأب مصري. درست علم النفس في جامعة القديس يوسف، وحصلت على ماجستير في الدراسات الإعلامية من SOAS (جامعة لندن). عملت في جريدة «السفير» اللبنانية بين عامي 1998 و2017، واهتمت بقضايا المرأة والحركات الاجتماعية والثقافة. منذ ٢٠١٧، هي الباحثة المختصة بالشأن اللبناني في منظمة العفو الدولية.رواياتها الخمس هي: «سأرسم نجمة على جبين فيينا»، و«حب بيروتي»، و«32»، و«مينا»، و« القطّ الأسود ذو العين الواحدة ». وتتناول...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut