Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - يوم محمود درويش الشعري

محمود درويش : معركة الهوية والنسيان



محمود درويش : معركة الهوية والنسيان

الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش يلقي إحدى قصائده خلال أمسية شعرية في جرش، شمال العاصمة الأردنية عمّان، في وقت متأخر في 22 يوليو / تموز 2004. Photo Khalil Mazraawi / AFP

رائف زريق أكاديمي فلسطيني متخصص في الفلسفة السياسية وفلسفة القانون. وتتركز أبحاثه على قضايا فلسفة القانون والأخلاق والسياسة، إضافةً إلى قضايا المواطنة والهوية والصهيونية والقضية الفلسطينية. وهو باحث أول في معهد فان لير في القدس (Van Leer Jerusalem Institute)، وهو أيضًا مؤلف كتاب «Kant's Struggle for Autonomy: On the Structure of Practical Reason» الصادر عام 2023.

بمناسبة «يوم محمود درويش الشعري» — وهو تكريم دولي لأعمال الشاعر الفلسطيني ينظّمه مركز بومبيدو ومعهد العالم العربي من 25 إلى 27 سبتمبر 2026 — يتناول في هذا المقال الطريقة التي يضع بها محمود درويش المأساة الفلسطينية ضمن الذاكرة الإنسانية الجامعة للشعوب المهزومة، ويجعل من الشعر وطنًا قادرًا على مقاومة المحو والنسيان.

لم يكن محمود درويش قد بلغ عقده الثالث من العمر حين أصدر ديوانه السادس « أحبك أو لا أحبك »، وهو رقم قياسي لشاعر في هذا العمر وبعد هذا العمق. إلا أن ما هو أهم من ذلك أنه الشاب الشاعر، وعلى رغم فتوّته انتبه مبكراً إلى أهمية النظر إلى الوراء والتفرّس في التاريخ، أكثر مما كان ينظر إلى الأمام. لقد كانت هذه النظرة إلى الوراء تتسم بنزعة تأملية في لحظات الخسارة والهزيمة في تاريخ الشعوب والحضارات والمدن. درويش منذ بداياته ـ وإن كان الأمر سيصبح واضحًا أكثر بعد مرحلة بيروت ـ هو شاعر الحكمة وليس شاعر النبوّة، يعصر التاريخ ويقدم نبيذ الحكمة موشّحًا بنكهة الخسارة.

لم يكن درويش قد بلغ الثلاثين من العمر، وقد استلهم ووظّف في شعره كلاً من لوركا (الشاعر الإسباني الذي اغتاله الفاشيين الإسبان)، وبرتولد بريخت (الشاعر الألماني تحت النظام النازي) وأيوب (الذي ثكله الرب وأنزل فيه المصيبة تلو الأخرى ليمتحن إيمانه وصبره). وفي عشرينيات عمره، كان قد وظّف في قصائده مدنًا قديمة تبكي حزنها: طروادة، بابل، سدوم، وكربلاء.

وفي مرحلته المتوسطة – أي بعد خروجه من بيروت وقبل عودته إلى رام الله في فلسطين- استرسل درويش في النظر في تجارب الشعوب الأخرى وخساراتها وفقدانها، محاولاً أن يستعيد اللحظات التراجيدية الكبرى والخسارات المؤلمة ليضع فلسطين وقصتها في سياق تاريخي واحد مع هذه الخسارات، وكأنه يصنع سجادة للضحايا على مر العصور وينسج قصة فلسطين باعتبارها نسيجًا واحدًا من نسيج أكبر يمتد عبر العصور.

في قصيدته الشهيرة « خطبة الهندي الأحمر –ما قبل الأخيرة- أمام الرجل الأبيض » أعاد درويش كتابة رواية وحكاية الهنود الحمر الذين أبادهم الرجل الأبيض، وفعل ذلك مستلهمًا خطاب زعيم قبيلة دواميش في سياتل لتختلط رواية فلسطين برواية الهندي الأحمر. أما في قصيدته المتأخرة « فكر بغيرك »، فإن درويش استلهم صلاة –قصيدة الشاعر اليهودي بريمو ليفي الذي قضى سنوات طويلة في المعسكرات النازية.

وفي قصيدة أخرى، « عود إسماعيل »، يستحضر درويش شخصية « إسماعيل » (ابن هاجر الأمة، بفارق عن إسحق ابن سارة المرأة الشرعية)، ليكون إسماعيل نموذجًا للغريب المنبوذ الذي يلتقي بالفلسطيني الغريب هو الآخر.

أما في ذاكرة المدن، وعلى أثر حرب بيروت في العام 1982، والتي دمر فيها الإسرائيليون المدينة وحاصروها حصارًا طويلاً، فإن درويش يستذكر مدينة هيروشيما التي دمرها السلاح النووي الأميركي، وينتقل في قصيدة أخرى ليتذكر مدينة « سمرقند »، عاصمة الثقافة والبناء المعماري زمن الإمبراطورية التيمورية والتي هدمها جنكيزخان إبان الغزو المغولي، وينتقل إلى حصار قرطاج من قبل الإمبراطورية الرومانية والتي انتهت بسقوط قرطاج ونهاية العصر الفينيقي. لقد رأى درويش نفسه وريثًا لكل هؤلاء وغيرهم، يتحدث باسمهم ويتحدثون باسمه، يحكي قصتهم، لكنه يحكي قصته في الوقت نفسه. بهذه الطريقة كان درويش يحاول أن يجد خطًا واحدًا مستمرًا عبر التاريخ يصل فيه تاريخ الضحايا، بدلا من أن يكون التاريخ سجلّ المنتصرين فقط.

إني إذ أسوق هذه الأمثلة فذلك كي أؤكد على الدور الذي فهمه درويش وأعطاه لنفسه في كل ما يتعلق بالشعر وبفلسطين معًا. درويش لم يكن شاعر الحتمية التاريخية ولا شاعر الثورة والانتصار، ولم يكن لا ماياكوفسكي ولا ناظم حكمت ولا هوشي منه. لقد فهم رؤيته الشعرية ومهمته الجمالية الأخلاقية بإنقاذ فلسطين من براثن النسيان، وأن يسجلها في وعي الإنسانية والبشرية جمعاء. مع أن درويش كان قد نشأ في بيئة شيوعية ماركسية في شبابه، إلا أنه مبكرًا جدًا، كانت حساسيته الأخلاقية أقرب إلى حساسية والتر بنيامين حتى ومن دون أن يقرأه. لم يكن درويش في حاجة إلى قراءة بنيامين ليعرف أن التاريخ لا يسير نحو التقدم والحرية، لأنه رأى بأم عينيه كيف تدمر جرافة التاريخ زيتون وتين بلاده وأحلام طفولته. لقد كان بنيامين مصرًا على التفرّس في التاريخ، وأن يحصي ضحاياه، وأن يدفنهم، وأن يصغي إلى صوت الذين داستهم عجلات التاريخ المسرعة نحو التقدم. ولأن درويش كان يعي نبض الخسارة باكرًا، فإنه لم يثق بالتاريخ ولا بحكمته ولا بالمستقبل الواعد. وتساءل أكثر من مرة: « هل هكذا هو التاريخ، لا يرى سوى سير الملوك الناجحين؟ ». وعليه، لم يكن مشروع درويش الشعري مشروع انتصار، بقدر ما هو مشروع الإصغاء العميق إلى آلام الحاضر، وصوت الضحية، وإنقاذ الفلسطيني من النسيان. ولأنه كان مشغولاً بالحاضر بالأساس، فقد كان قادرًا أن يصغي بعمق، وعلى التقاط اللحظة الفلسطينية بكثافتها وعمق معانيها وآلامها، وفي مراحلها المختلفة وأماكنها المختلفة: الجليل، إبان الحكم العسكري، الثورة الفلسطينية، واجتياح لبنان، ثم تونس، ثم رام الله تحت الاحتلال.

نتيجة لكل ذلك كان درويش متواضعًا في فهمه لدور الشعر، فالشعر كما كتب لصديقه الشاعر سميح القاسم لا يستطيع مواجهة المذبحة، إذ كتب له:

« لنا الذكريات، وللغزو ترجمة الذكريات إلى أسلحة ومستوطنات، أما زلت تؤمن أن القصائد أقوى من الطائرات؟ إذن، كيف لم يستطع امرؤ القيس فينا مواجهة المذبحة ».

للشعر دور متواضع جدًا – وكما وصفه مرة فقال: « الشعر فرح غامض بالتغلب على الصعوبة والخسارة ».

في فترة ما بعد حرب لبنان عام 1982 والخروج من بيروت، يسيطر على درويش هاجس التيه، والبحر والنسيان، وزورق الأوديسة المكسور. وقد تكون دواوينه من هذه الفترة « حصار لمدائح البحر »، هي أغنية، هي أغنية، إضافة إلى نصه النثري والذي يشي عنوانه بالكثير « ذاكرة للنسيان: المكان آب، الزمان بيروت »، أكثر الدواوين مفعمة بهذا الإحساس بفقدان التوازن والخوف من التيه والذهاب في المجهول. وفي قصيدته « غبار القوافل » يجعل النسيان شغله الشاغل ويكرر مرة تلو الأخرى مقولته « نحن للنسيان. قد جئنا لتقديم المدائح »، ثم يعود ليكررها مرات عدة، « نحن لا نشبه أسلاف القصص. نحن للنسيان ». ويكررها مرة تلو الأخرى.

ومن أكثر القصائد التي عبّر فيها عن تلك اللحظة المأزومة والتي ضاق بها العالم بالفلسطينيين، وجعلهم يشعرون أنهم شعب فائض عن الحاجة، كانت قصيدته « تضيق بنا الأرض » والتي جاء فيها:

« تضيق بنا الأرض، تحشرنا في الممر الأخير، تخلع أعضاءنا كي تمر، وتعصرنا الأرض... ».

تلك القصيدة التي يتساءل فيها درويش:

« إلى أين نذهب بعد الحدود الأخيرة؟

أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة،

أين تنام النباتات بعد الهدوء الأخير؟ »

يصف درويش دوره كشاعر في ظل هذا التيه المستمر، بالكلمات التالية من قصيدته: « آن للشاعر أن يقتل نفسه »:

« من ثلاثين شتاء

يكتب الشعر ويبني عالمًا ينهار حوله

يجمع الأشلاء كي يرسم عصفورًا وبابًا للفضاء

كلما انهار جدار حولنا شاد بيوتًا في اللغة »

في عالم كان ينهار أمام عينيه، وأمام هذا التيه الذي استمر طويلاً، كان درويش يحاول أن يبني وطنًا في اللغة، ويستعيض عن بيت طين وحجر ببيت من الشعر. لذلك نراه في قصيدته « رحلة المتني إلى مصر » يكرر مرة بعد مرة اللازمة المتكررة « وطني قصيدتي الجديدة ». وعندما يأتيه الغيب في الصحراء ويقول له « أكتب »، فإن درويش يكتب:

« من يكتب حكايته يرث أرض الكلام، ويملك المعنى تمامًا ».

أما الآن في هذه الحرب المستمرة والممتدة على غزة وعلى فلسطين، والتي يتعرّض فيها كل شيء للإبادة من شجر وحجر وبشر، وغزة محاصرة بالطائرات والدبابات وبالجوع والنسيان، يصبح تثبيت وتوثيق كل شيء، كل شيء، كل صورة كل وثيقة كل قصاصة ورق، كل خارطة، كل لوحة، كل كتاب هو معركة على الهوية والوجود، والعودة إلى إرث محمود درويش من شأنها أن تكون بوصلة للهوية وتدريبًا روحيًا وفكريًا كيف يخوض الفلسطيني معركته في الدفاع عن نفسه أمام الطائرات النفاثة والنسيان.

رائف زريق

باحث وأكاديمي فلسطيني





رائف زريق أكاديمي فلسطيني متخصص في الفلسفة السياسية وفلسفة القانون. وتتركز أبحاثه على قضايا فلسفة القانون والأخلاق والسياسة، إضافةً إلى قضايا المواطنة والهوية والصهيونية والقضية الفلسطينية. وهو باحث أول في معهد فان لير في القدس (Van Leer Jerusalem Institute)، وهو أيضًا مؤلف كتاب «Kant's Struggle for Autonomy: On the Structure of Practical Reason» الصادر عام 2023.بمناسبة «يوم محمود درويش الشعري» — وهو تكريم دولي لأعمال الشاعر الفلسطيني ينظّمه مركز بومبيدو ومعهد العالم العربي من 25 إلى 27 سبتمبر 2026 —...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut