Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - يوم محمود درويش الشعري

لا شيء إلا الضوء


لا شيء إلا الضوء

TUNISIA-POETRY-CARTHAGE-DARWISH الشاعر الفلسطيني الراحل محمود دروبش في أمسية شعرية يوم 11 أغسطس/آب 2005 ضمن مهرجان قرطاج الدولي، في الأكروبوليوم، الكاتدرائية القديمة في مدينة قرطاج قرب العاصمة التونسية. الصورة: Fethi Belaid/AFP.

هالا محمد شاعرة ومخرجة سورية وُلدت في اللاذقية. درست السينما في باريس، وتتناول في شعرها موضوعات الذاكرة والمنفى والحرية.

في هذا المقال، تضيء على أثر شعر محمود درويش في حياتها، وكيف يُبقي الأمل وذاكرة فلسطين والرغبة في الحرية حيّة في ضمير الإنسانية.

لا أعرف كيف دخل شعر محمود درويش بيت طفولتي الذي يسكن فيه الآن على رفوف المكتبة في ذاكرتي، مع شعر المتنبي وبدوي الجبل وعنترة وأبو تمام والمعري ونزار قباني، وسعيد عقل في صوت فيروز أم في صباح البيت. ثم دخل بيت شبابي وفيما بعد. لكنني أعرف أنه كان دائماً.

وحين صرتُ منفيةً في لحظةٍ من لحظاتِ عمري، اقتربتُ منه أكثر. وفتحت شبابيكي مثله على أدوات النجاة والجمال كي لا أنحني فلا تنحني قضيتي. أعتقد أنني استعنتُ بمساحات من الأوكسجين في قصائده، وتنبهتُ كثيراً كيف حين تنتهي القصيدة كيف أنها لا تنتهي. يُغَيِّرُنا الشعر.

ما أعرفه أنه كان حاضرا دائما. كود من كودات المودّة للحياة والسحر. عليك أن تقرأ. قراءة أخرى ليست متعجلة وليست متأنية، بلا تعريفات. أن تكون حرّاً في القراءة. تتخطّى ذاتك وتبقى أنتْ. لا يمكن أن تكون متأبطا كتاب وعظ وقدسية وأية أيديولوجيا وتخترق شعر درويش. ستقرأه في هذه الحالة آلاف المرات، الكلام واضح واللغة واضحة عربية بديعة عالية، وأنت لا تتقدم فيها. يمنحك الحدائق والبساتين والورد وينزهك في بستان الكنعانية وتتوقف معه لترى الليلك وتعرّج على الضمائر، الـ أنا والـ نحن وهو ... كلها دعوة لدخول القصيدة.

يخرج من فلسطين فيدخل إلى بيروت والقاهرة والشام وبغداد، فلسطين في كل شعره، في الغزل، والتاريخ والجغرافيا والتراجيديا . كل الجغرافيا التي خرج إليها تحمل مرجعيات ودلالات فلسطينية. تخرج المدن عن أسوارها وتعّرش في الزمان كأبجديات جديدة لا يحدّها دين أو معتقد أو مُحتلّ، فضاءٌ رحبٌ وأفقٌ وانتظار ... والطريق.

ماذا أنقذ شعر محمود درويش فينا. أنقذ الطريق. نحن لا نتوقف إلا لكي تلتقط الأرض أنفاسها بين انغلاق قبر وتفّتح وردة.

لا تنتهي اللغة فلا تنتهي الطريق. من يجرؤ على وضع نقطة النهاية والمحتلُّ لا يزال في الدار.

هو يصعد دائما نحو البعيد في بحثه. يَضُمُّ هذا البعيد إلى صدر قضيّتهِ، المدن والأنهار والهندي الأحمر والموسيقا وأنواع الورد والكولونيا والكمثرى والزيت والزعتر، مؤونة اللغة من ملامح البيت. تتغير قصيدة درويش بحسب قارئها ولها أيضاً ذاتيتُها التي لا تسكن إلى قارئها، القصيدة ذاتُها تتغير في الزمن، وتحمل مرجعياتٍ أخرى ودلالاتٍ أخرى وحالاتٍ شعوريةٍ جمالية مدهشة في لطفها ووحشيتها وغرابتها في آن. تثور متى شاءت وتستعصي وتترفع وتلين وتسوق إلينا الأمثلة، كي تأنس اللغة كل هذا الغياب.

نرى كيف أن مفردةً قرب مفردة في سؤال وجودي ينهض على فكرة العدالة والمساواة والسلام، يجعل الاحتلالاتِ كلَّها إلى زوال .

لقد زودني شعر درويش بمؤونة من الأمل، بعدم الرضى، النحت في المستحيل، الذي لا يغلق باب الاستعارات والدلالات والمجاز والمجازفة.

أنا أعود إلى قصيدة بعينها في ظرفٍ آخر مغايرٍ لظرف قراءتها السابقة، أبحث عن زمان فيها مررت به وأحتاج أن أتوقف عنده وأسائِلُه من جديد عن نفسه وعن زمان آخر له وعني وعن تلك العواطف التي صارت بعضَ عواطفي وتعلقتُ بها بعد ذلك المرور الأول، عن تلك الأغنية التي تلحّ عليَّ في صدري ولا أعرفها، كالمرور بهذا المقطع دائماً: « لماذا تركت الحصان وحيدا، كي يؤنس البيت يا ولدي، فالبيوت تموت إذا غاب سكانها ».

كمن يعيد الغريب إلى داره، أو اليتيم إلى أبجدية المكان والزمان. أو أغنية إلى الشفاه. أنت لا تعرف لماذا تعود إلى القصيدة ، أمن أجل البيت أم الغياب أم الأنس أم التأكد أم تلك الدينامية التي تبثها كل هذه التفاصيل بين بعضها البعض. لا تعرف لماذا تقودك حاجة خفيّة إلى اللقاء بتلك الصيغة الملحمية البديعة لسيرة ذاتية كلما عرفتَ عنها ازددتَ فقداً لها، وَفقدا لذاتِك. وولهاً، ولهاً في الطريق.

وهذا البيت من قصيدة « في القدس»: « هو أنتَ ثانية ؟ ألمْ أقتلكْ ؟ قلتُ: قَتَلتِني وَنسيتُ مثلكِ، أن أموتْ » يا لَهذا النسيان.

وهذا: « لا شيء إلا الضوء، لم أوقف حصاني إلا لأقطفَ وردةً حمراءَ مِنْ بُستانِ كنعانية أغوتْ حصاني ».

هذه العاطفة المعلقة في اللغة العربية كقنديل يضيء الليل والغربة تسحرني. وما يبحث عنه الشعر في المعنى الذي تسطيعه اللغة.

لا بأس في أن يقضي المرء عمره يبحث عن مكان أبعد وأعلى من زمانه فلا المكان يفنى ولا الزمان. يرتفع عن كل ما يمليه عليه الطغاة والبرابرة في كل زمان ، والآن ، من لغة تشي بمقتل اللغة ومقتلنا معها. هذا القنديل أيضا يضيء كل خطوة في المجاز إلى الحرية خطوة خطوة.

وحين « الشام » تنهض في قصيدة الشاعر، تبحث اللغة عن مراياها، وإلا ما كل هذا التعالي على الجرح كي لا تحزن الأرض، وكل هذا الإصرار على فرد مساحات الجغرافيا وسع اللغة، جغرافيا اللغة ، الأسماء والألوان والروائح: « من لغتي ولدتُ، أنا لغتي أنا ».

في « مستقرّ محمود درويش، الملحمة الغنائية وإلحاح التاريخ » الكتاب المرجع، كتب صبحي حديدي: « في قصيدة " طريق الشام " تعتمد القصيدة في الحديث عن دمشق والشام خطابا مركبا بالغ الثراء والتَّبَدُّل، تمتزج فيه نبرة المناشدة والتهدج والشكوى والتقرب والعتبى والمحبة والتودد، ويحضر فيه التاريخ وتستنفر معه عناصر الحضارة ويتناوب المكان. وليس أقل أهمية أن القصيدة تترابط في هذا البعد الذي يجهد لالتماس الاتساق بين فلسطين والشام على نحو خاص مع قصيدة "النزول من الكرم" حيث يقول درويش: " وصارت فلسطين أقرب

فاختلف اللاجئون على موسم القمح والبرتقال

أوقفتني فتاة معبأة بالدوالي

وكانت تغني على طريق الشام:

يا ليت دالية واحدة

لم تسافر معي ... فأعود إليها ".»

ويمكث شعر درويش في الزمن ، يؤنس الطريق.

هالا محمد

شاعرة ومخرجة سورية













هالا محمد شاعرة ومخرجة سورية وُلدت في اللاذقية. درست السينما في باريس، وتتناول في شعرها موضوعات الذاكرة والمنفى والحرية. في هذا المقال، تضيء على أثر شعر محمود درويش في حياتها، وكيف يُبقي الأمل وذاكرة فلسطين والرغبة في الحرية حيّة في ضمير الإنسانية.لا أعرف كيف دخل شعر محمود درويش بيت طفولتي الذي يسكن فيه الآن على رفوف المكتبة في ذاكرتي، مع شعر المتنبي وبدوي الجبل وعنترة وأبو تمام والمعري ونزار قباني، وسعيد عقل في صوت فيروز أم في صباح البيت. ثم دخل بيت شبابي وفيما...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut