Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

من بيار الجميّل إلى الخميني: كيف الوصول إلى المطار؟


من بيار الجميّل إلى الخميني: كيف الوصول إلى المطار؟

سيارات ودراجات نارية تمرّ أمام لوحات إعلانية تُظهر المرشد الأعلى الجديد لإيران، آية الله مجتبى خامنئي (إلى اليسار)، ووالده الراحل علي خامنئي (إلى اليمين)، وتحمل شعار «شكراً يا إيران الوفية». وهذه اللوحات نُصبت على طول الطريق السريع المؤدي إلى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، في 22 يونيو/حزيران 2026. Photo by Anwar AMRO/AFP

حازم صاغية أحد أبرز أعلام الصحافة العربية. عمل في صحيفة «السفير»، ثم في «الحياة»، قبل أن ينضمّ إلى «الشرق الأوسط» عام 2019. ينظر إليه على أنه أحد أكثر الاصوات النقدية تأثيرًا في السجال الفكري العربي المعاصر. وتتناول مؤلفاته ومقالاته بصورة أساسية قضايا السياسة والثقافة، وتتميّز بنقدها للفكر القومي والسلطوية والإسلام السياسي.

وفي «لوريان لوجور»، يتوقّف هذا الأسبوع عند المفارقة التي تطبع الطريق المؤدي إلى مطار بيروت الدولي.


مطار بيروت الدوليّ حيويّ للبنانيّين، مثله مثل أيّ مطار في أيّ بلد لأبناء ذاك البلد. لكنّني أزعم أنّ علاقة اللبنانيّين بمطارهم ربّما كانت أقوى من علاقة معظم الشعوب بمطاراتها.

ذاك أنّ البلد بلد هجرة، لكنّه في الوقت نفسه بلد سياحة واصطياف، أو هكذا كان تقليديّاً. فوق هذا هو بلد استيراد لا ينتج إلاّ القليل جدّاً ممّا يستهلك. وهذه الصفات تمنح المطار أهميّته الاستثنائيّة بوصفه شريان حياة للسكّان.

لهذا فحين يُغلَق بسبب أعمال عنف، وهو كثيراً ما أُغلق سابقاً، ينتاب السكّان قلقٌ من صنف وجوديّ. وقبل 2005، عندما كان الجنود السوريّون يعلّقون صور حافظ الأسد على جدران المطار، كان الأمر يبدو للّبنانيّين إذلالاً واستفزازاً لا يُطاقان، علماً بأنّ صور الأسد كانت تُعلّق في شوارع وساحات عامّة بل في بعض الدوائر الحكوميّة أيضاً.

وفي الحربين الأخيرتين بات سؤال « هل تغلق إسرائيل المطار؟ » عبارةً تلازم أيّ تكهّن سياسيّ، وكانت تلك العبارة تُقال بصوت يرتجف ويتردّد كما لو أنّ في الأمر لعنة قدريّة أو أنّه مساءلة لألغاز كون مُبهم.

وقد يضاعف دراميّةَ العلاقة بالمطار أمران: الأوّل أنّه صار منذ عشرين سنة ونيّف يحمل اسم رفيق الحريري. ونعرف أنّ الحريري اغتيلَ بطريقة مروّعة في 2005 واغتيل معه 21 شخصاً، فضلاً عن إصابة 220 من المارّة بجروح.

أمّا الثاني فهو التفجير الرهيب الذي استهدف مرفأ بيروت في 2020. وبحسب ميشال شيحا، أبرز مُنظّري الكيان اللبنانيّ، ينبغي أن تكون للبنان نافذتان على العالم: المرفأ والمطار. وما دام أنّ إحدى النافذتين قد أُغلقت صار إغلاق الثانية دعوة إلى العيش بدون ضوء أو هواء.

لكنّ ما لم أنتبه له إلاّ مؤخّراً أنّ الطريق من شارع مار مخايل إلى المطار يمرّ أو يحاذي أربعة شوارع وجادات تحمل على التوالي أسماء بيار الجميّل، مؤسّس حزب الكتائب الذي رحل في 1984، وجمال عبد الناصر، رئيس جمهوريّة مصر الذي توفّي في 1970، وحتى أشهر قليلة حافظ الأسد، رئيس سوريّة الذي قضى في 2000، وآية الله الخمينيّ، صانع إيران الإسلاميّة الذي غادر« الدار الفانية » في 1989.

وهذا كولاج غريب لا يتحقّق إلاّ في الجنّة حيث تتعايش النقائض بسلام ومودّة. فالجميّل وقف على رأس حزب يقاتل عبد الناصر ومؤيّديه في 1958، وهو كان أحد أبرز المدافعين عن فكرة أنّ الرئيس المصريّ ينوي قضم لبنان وتقويض الدور المسيحيّ فيه، فضلاً عن اجتثاث الديمقراطيّة والاقتصاد الحرّ والصلة بالغرب. وبدورهم فمُحبّو عبد الناصر اتّهموا الجميّل وحزبه بالفاشيّة والانعزاليّة الطائفيّة.

أمّا عبد الناصر فحرّض بما فيه الكفاية على الحكم اللبنانيّ الذي كان يؤيّده الجميّل، وسلّح معارضيه، كما تزعّم دعوة قوميّة عربيّة تتعارض مع الوطنيّة اللبنانيّة. لكنّ حافظ الأسد ربطته بمُحبّذي الجميّل علاقة أسوأ من العلاقة التي ربطت أولئك المحبّذين بعبد الناصر، وكانت لجيشه معارك شهيرة معهم في الأشرفيّة وزحلة وسواهما. كذلك انتمى الأسد إلى حزب البعث الذي جمعته بعبد الناصر خصومة هي من أشدّ الخصومات ضراوةً في التاريخ العربيّ الحديث.

وبدوره فالخميني قصّة أخرى. فبالنسبة للمسيحيّين، وخصوصاً منهم مؤيّدي الجميّل، أو من شاركوه خياراته، هو الأب الروحيّ المتعصّب لـ « حزب الله » الذي أنزل بلبنان مصائب غير مسبوقة. وعلى عكس عبد الناصر الذي كان « بطل القوميّة العربيّة »، هو عدوّ شرس للقوميّة جملةً وتفصيلاً.

وكان الزعيم المصريّ قد كافح إسلاميّي بلاده، وأعدم سيّد قطب، أبرز مفكّريهم. أمّا علي خامنئي، تلميذ الخمينيّ، ومرشد إيران بعده، فترجمَ بعض كتب قطب إلى الفارسيّة، مُبدياً إعجابه به وبمُنظّر إسلاميّ آخر هو الباكستانيّ أبو الأعلى المودودي.

صحيح أنّ الموجة الشعبويّة التي طغت في العقود الماضية نفت كلّ اختلاف بين عبد الناصر والأسد والخميني طالما أنّهم « مناهضون للإمبرياليّة ولإسرائيل »، وهكذا أجلستْ واحدهم في حضن الآخر، وأجلست الثلاثة في حضن غيفارا. إلاّ أنّ هذا ليس أكثر من أكذوبة أخرى من أكاذيب الشعبويّين.

ومنذ حرب العراق وإيران في الثمانينات، عمل النزاع السنّيّ – الشيعيّ على إعادة تصوير عبد الناصر بطلاً للسنّة، يقف إلى جانب صدّام حسين، في مواجهة الخمينيّ وورثته بوصفهم أبطال الشيعة الذين وضعوا حافظ الأسد تحت إبطهم.

فهل يمكن، والحال هذه، أن نصل إلى المطار؟ هل يمكن لبيار الجميّل أن يوصلنا إلى عبد الناصر، ولعبد الناصر أن يوصلنا إلى الأسد، والأسد إلى الخميني؟ بل ربّما كان السؤال الأهمّ: هل يمكن للخميني أن يوصلنا إلى رفيق الحريري الذي مات نتيجة اغتيالٍ دبّره، بحسب المحكمة الدوليّة، بعض عبّاد الخميني؟

صحيح أنّ التعدّديّة قيمة سياسيّة ومجتمعيّة محترمة، لكنّنا نطلب الكثير منها حين نسألها أن تجمع ما لا يجتمع، فتنتهي بنا إلى انسداد يتوهّم كلّ واحد من الأطراف أنّه يفتحه بالعنف.

وهكذا تقول لنا الحكمة المستمدّة من التجارب إنّ البحث عن تعطيل المطار ينبغي أن يتّجه إلى الطرق المؤدّية إليه قبل الإنصات إلى القذائف والصواريخ التي قد تصيبه بين وقت وآخر.

حازم صاغية

صحافي وكاتب


حازم صاغية أحد أبرز أعلام الصحافة العربية. عمل في صحيفة «السفير»، ثم في «الحياة»، قبل أن ينضمّ إلى «الشرق الأوسط» عام 2019. ينظر إليه على أنه أحد أكثر الاصوات النقدية تأثيرًا في السجال الفكري العربي المعاصر. وتتناول مؤلفاته ومقالاته بصورة أساسية قضايا السياسة والثقافة، وتتميّز بنقدها للفكر القومي والسلطوية والإسلام السياسي.وفي «لوريان لوجور»، يتوقّف هذا الأسبوع عند المفارقة التي تطبع الطريق المؤدي إلى مطار بيروت الدولي.مطار بيروت الدوليّ حيويّ للبنانيّين، مثله...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut