عناصر من قوات الأمن العراقية يقفون للحراسة في أحد شوارع بغداد، في 28 يونيو/حزيران 2026. وأوقفت السلطات 47 مسؤولًا، من بينهم نواب، في 28 يونيو/حزيران، في إطار حملة لمكافحة الفساد في هذا البلد الذي يعاني من هذه الآفة، وفق ما أفادت وسائل الإعلام الرسمية. Photo Ahmad al-Rubaye/AFP
أحمد حسن الربيعي باحث عراقي في الجغرافيا والتاريخ والعلوم السياسية، من بغداد، ويقيم في باريس منذ عام 2020.
عمل سابقا في الصحافة العراقية، حيث شغل مناصب عدة بينها على سبيل المثال لا الحصر ، منصب مدير تحرير موقع «العالم الجديد»، ومدير مركز امارجي للتطوير البحثي بين عامي 2015 و2023.
ويواصل نشر العديد من المقالات في الصحافة العراقية في صحيفتي «المدى» و«الصباح» وكذلك في منصات بحثية ومجلات أكاديمية فرنسية من بينها مدونة «Hypothèses» التابعة لـINALCO.
في هذا المقال، يحلّل الكاتب الفجوة التي يراها بين تطلعات العديد من المواطنين العراقيين والواقع الذي يعيشون فيه.
منذ طفولتنا، نتعلم أشياء كثيرة تبدو لنا بديهية. نتعلم أن الصدق فضيلة، وأن من يجتهد يصل، وأن القانون يحمي الجميع، وأن الدولة وجدت لخدمة مواطنيها. الأسرة تكررها، والمدرسة تؤكدها، والمجتمع يعيد توليدها، حتى تبدو وكأنها حقائق لا تستلزم إلى نقاش.
تخيل شابا قضى سنوات طويلة وهو يؤمن أن الدراسة والاجتهاد هما الطريق الطبيعي إلى النجاح. يكبر، يتخرج، ثم يكتشف أن الوظيفة قد تذهب إلى شخص آخر لأنه يملك واسطة أو نفوذا أو انتماء حزبيا. أو تخيل طفلا تربى على أن القانون يساوي بين الناس، ثم يرى، وهو يكبر، أن بعض الأشخاص يستطيعون تجاوزه لأنهم يملكون سلطة أو سلاحا أو علاقات لا يملكها غيرهم.
في مثل هذه الوقائع لا يتخلى الإنسان عن القيم التي تربّى عليها، لكنه يبدأ يعيش صراعا دفينا بين ما يؤمن به وما يراه أمامه كل يوم. ويراوده سؤال : هل كانت المشكلة فيما تعلمته، أم في الواقع الذي أعيشه؟.
في علم النفس الاجتماعي، أطلق العالم الأمريكي ليون فستنغر على هذه الحالة اسم التنافر المعرفي. وهي حالة من التوتر النفسي تنشأ عندما يصطدم ما يؤمن به الإنسان بما يختبره في حياته اليومية.
كبرنا ونحن نقرأ أن العراق مهد الحضارات، وأنه الأرض التي شهدت أول كتابة، وأول مدينة، وأول قانون.
صرنا نسمع أننا نعيش في بلد من أغنى بلدان العالم بالنفط، بينما نقضي ساعات طويلة قرب الشابك بانتظار عودة الكهرباء. ونسمع أننا نعيش في بلاد النهرين، في الوقت الذي تعاني البلاد نفسها من شبه انعدام من المياه. ونقرأ عن أول قانون في التاريخ، ثم نرى كثيرا من النزاعات تُحسم خارج سلطة القانون، أو تُحل بالفصول العشائرية وبالوساطات والنفوذ والعلاقات أكثر مما تُحل داخل مؤسسات الدولة.
بين ما تعلمناه وما نعيشه
لكن هل يكفي التنافر المعرفي وحده لفهم ما يعيشه العراقي؟
هذا المفهوم يساعدنا على فهم ما يشعر به الإنسان وقتما يصطدم ما يؤمن به بما يعيشه، لكنه لا يجيب عن كيف نشأ هذا التنافر أصلاً؟ ولماذا اتسعت المسافة بين الصورة والواقع إلى هذا الحد؟
فما حدث في العراق بعد عام 2003 لا يكون ضمن انسجام انتقال من نظام سياسي إلى آخر، كان قد دشّن مرحلة جديدة في العلاقة بين المواطن والدولة. وغدت الدولة في نظر فئة واسعة من العراقيين لم تكون مؤسسة محايدة تطبق القانون على الجميع، هي واقعا شبكة معقدة من الأحزاب، والفصائل المسلحة ورجال الدين والعشيرة والولاءات، والوساطات، وتركيبة من المصالح المترابطة.
وفي كثير من الحالات أفكر أن أخطر ما في الأمر لا يمكن ان يكون الفساد بحد ذاته، ولا الامر معني في ضعف الخدمات، والخطر الحقيقي ما يتركه داخل الإنسان. فعندما يضطر المواطن إلى البحث عن واسطة لإنجاز معاملة، أو يشعر أن القانون لا يحميه بالقدر نفسه الذي يحمي به أصحاب السلطة والنفوذ، يبدأ بالتكيّف مع هذا الواقع.
ومن هنا يحدث تحوّل هادئ لكنه جذري. فالإنسان الذي تربّى على أن القانون هو المرجع، يبدأ يعتمد على العلاقات الشخصية او يبحث عن عشيرة او جماعة مسلحة لتحميه. والذي تعلّم أن الكفاءة هي طريق النجاح، يبدأ يبحث عن الواسطة. والذي كان يرفض الرشوة من حيث المبدأ، قد يجد نفسه في لحظة ما مضطرا لدفعها حتى لا تتعطل حياته.
وعندما تصل المجتمعات إلى هذه الظرف لا تغدو بعد ان المشكلة في وجود الأزمات، المشكلة الاساسية تتمثل في أن الأزمات تفقد قدرتها على إثارة الدهشة والامتعاض والغضب. ويصبح انقطاع الكهرباء خبرا عاديا، وتأخّر الرواتب احتمالا مألوفاً، والواسطة والرشوة وسيلة متوقعة، وضعف القانون و« الدكة العشائرية » جزءاً من الحياة اليومية، كما إن قضايا الفساد الكبرى لم تبق تستقبل دائماً بمثابة صدمة أخلاقية، فهي تمر مثل أي خبر مؤقت و سرعان ما يطويه خبر آخر، حتى بدا في بعض البيئات أن الاستيلاء على المال العام أو النفوذ غير المشروع يمكن أن يفضي إلى مصدر نفوذ أو مكانة داخل بُنى السلطة والأحزاب، بدلاً من أن يكون سبباً للمحاسبة والعار.
لكن الإشكالية الكبرى تتبلور مع تحول هذه الذاكرة العظيمة إلى مقارنة يومية مؤلمة. فالإنسان لا يتواجد داخل التاريخ هو أيضا يحيا داخل الحاضر. ويصعب على المواطن أن يأكل من أمجاد الماضي، ولا أن يعوض غياب الخدمات بذكرى الحضارات القديمة. رغم ان التاريخ يمنح الإنسان مضمونا وفخراً، لكنه يحتاج إلى دولة ومؤسسات وحياة يومية لينتقل إلى شعور مستمر بالانتماء. ولهذا ربما يكون الجرح الأكبر لا يتجسّد بان العراق فقد جزءاً من مكانته، الجرح هو أن العراقي ينتابه حس بوجود فجوة بينه وبين الصورة التي يحملها.
ولهذا قد يكون من الممكن القول ان معالجة الأزمة العراقية لا تكفي بالحديث عن الاقتصاد أو السياسة لأن جزءا من الأزمة أصبح متعلقا بصورة الإنسان عن نفسه وعن وطنه. وان استعادة بناء الدولة لا تعني بناء مؤسسات جديدة، هي تعني استعادة بناء الثقة، وإعادة خلق علاقة طبيعية بين المواطن والواقع الذي يعيش فيه. لان في حال استمرار لسنوات طويلة لا يظل حبيسا داخل الإنسان كفكرة يبدأ بتغيير علاقته بالمجتمع وبالمؤسسات.
التطبيع مع التنافر
لكن لماذا يعيش العراقي هذا التناقض؟ وكيف يمكن الخروج منه؟، لا يمكن ربط المشكلة لكون العراقي يحمل صورة جميلة عن بلده، هذه الذاكرة تمثل طاقة مهمة. الحضارة أيضاً هي الطريقة التي يعامل بها الإنسان في الشارع، وهي احترام القانون، وجودة المدرسة، ونظافة المدينة، وقدرة المواطن على الوصول إلى حقه دون إذلال أو واسطة.
لكن السنوات كشفت لنا فجوة غاب عنا ان نتوقعها. اكتشفنا أن ازالة نظام سياسي لا يدل بالضرورة بناء دولة جديدة، وأن تغيير السلطة لا يكفي لتغيير طريقة عمل المؤسسات، وأن المجتمع قد يحمل آمالاً كبيرة بينما تبقى البنى التي تحكم حياته اليومية عاجزة عن الاستجابة لهذه الآمال.
وهنا بدأ جيل كامل يعيش نوعاً خاصاً من التنافر المعرفي، فجيل تربى على فكرة أن القادم أفضل، ثم وجد نفسه أمام واقع يطلب منه أن يتكيف مع أزمات غاب عنه ان يتوقعها. مع ذلك لم يكن الأمر فقدانا للحب تجاه العراق، كان صدمة بين ما تخيلناه ممكناً وما استحال واقعاً أمامنا.
أحمد حسن
باحث وصحافي عراقي