Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

عن لبنان ولغاته التي لم تعد كثير ...


عن لبنان ولغاته التي لم تعد كثير ...

أستاذ يوزّع أوراق الامتحان على طلابه خلال امتحان في «Collège des Saints-Cœurs Aïn Najm» في المتن. صورة أرشيفية: AFP.

حازم صاغية أحد أبرز أعلام الصحافة العربية. عمل في صحيفة «السفير»، ثم في «الحياة»، قبل أن ينضمّ إلى «الشرق الأوسط» عام 2019. ينظر إليه على أنه أحد أكثر الاصوات النقدية تأثيرًا في السجال الفكري العربي المعاصر. وتتناول مؤلفاته ومقالاته بصورة أساسية قضايا السياسة والثقافة، وتتميّز بنقدها للفكر القومي والسلطوية والإسلام السياسي.

هذا الأسبوع، يعود الكاتب إلى توجّسه في مرحلة سابقة من اللغة الفرنسية، ليبيّن كيف أسهمت اللغات الأجنبية في ثراء لبنان، قبل أن تنال الحرب الأهلية من هذا الإرث.

في 1975، مع اندلاع الحرب، انتقلتُ من بيت أهلي في الأشرفيّة إلى الحمرا. كان السبب يساريّتي المتحمّسة يومذاك لإنزال هزيمة كاسحة بـ « الانعزاليّين » الذين أقيم بينهم. وفي جريدة « السفير » حيث كنت أعمل، عبّرت بالكتابة مراراً عن تلك الحماسة فلم تعد سرّاً، وغدت إقامتي غير آمنة في مكان يعرف أهله أنّني أنوي لهم الشرّ.

لكنْ لا بدّ من الاعتراف بالحقيقة كاملةً. ذاك أنّ سبباً آخر عزّز رغبتي في الانتقال: الهرب من عبارة « À quel étage, s'il vous plaît » ?

فكلّما جمعني المصعد بجارٍ، كان يسألني ذاك السؤال اللطيف قبل كبسه الزرّ. وكان يسعني أن أقول « quatrième étage » لكنّ خوفي من متابعته الكلام بالفرنسيّة كان يدفعني إلى استراتيجيّة أخرى، فأرفع أربعة أصابع لأُفهمه أين أقيم. وكنت أبتسم وأنا أفعل ذلك، فأردّ على لطفه بلطف، وأوحي له أنّني « كُول » ومسيطر على الوضع المحيط، كما لو أنّني أرتفع، ولو التفافاً، إلى سويّة النطق بالفرنسيّة.

لكنّ السؤال ظلّ مُتعِباً، أتهيّب قليلاً قبل اضطراري إلى الردّ عليه. فأنا لم أفهم اللطف بالفرنسيّة إلاّ بإرجاعه إلى تربية كولونياليّة ممزوجة بامتيازات طبقيّة. وهذا علماً بأنّ الجيران لم يكونوا أغنياء، فيما أتاح التعليم لبعضهم الترقّي في بعض الوظائف. وكان يُسعف تفكيري الناقم مبدأ « السحر الخفيّ »، الذي تعلّمناه من فيلم شهير عُرض في بيروت عشيّة وقوع الحرب: « السحر الخفيّ للبورجوازيّة ».

وهناك أمور كثيرة تُقال عن فيلم بونويل هذا الذي يدور حول ستّة بورجوازيّين ينوون العشاء معاً ولا ينجحون في مهمّتهم. لكنّ ما همّني منه استحالة التوفيق بين عاديّات الحياة اليوميّة وبين الأسرار والأمور المبطّنة، والأسرارُ روح الحياة البورجوازيّة عند بونويل. فالعشاء، بالتالي، استعارةٌ لوجودٍ مثقوب بأفعال غير مقبولة وغير أخلاقيّة. وهذا الطقس ما هو إلاّ قناع يجعل البورجوازيّة « ساحرة »، في تهذيبها ومظهرها، لكنّه أيضاً يجعل سحرها « خفيّاً »، وراءه ما وراءه.

إذاً يُستحسن أن أحتفظ بشيء من الارتياب برفاق المصعد وبلطفهم، إذ الآداب عندهم تحلّ محلّ الأخلاق بمعناها الأعمق. وكانت مصر الناصريّة والعراق وسوريّة البعثيّان، التي سمّينا أنظمتها « أنظمة تحرّر وطنيّ »، رعتْ هذا الارتياب وحضنتْه، فعرّبت التعليم وحاصرت مؤسّساته الأجنبيّة وأغلقت معظمها، فكانت النتيجة كارثيّة على شعوبها. ولحسن الحظّ باءت بالفشل دعوات « تقدّميّة » مشابهة في لبنان اكتشف أصحابها في العناية بالفرنسيّة مؤامرةً لمنع أبناء الفقراء من التعلّم.

فلبنان « الانعزاليّ »، الذي كنت أشتهي هدمه على رؤوس أهله، تعاملَ على نحو مختلف مع اللغات. فهو احتفى بالفرنسيّة التي أنجب تعليمُها نُخباً متتالية نجحت في بناء بلد مميّز في محيطه. ولبنان قبل الحرب، وعلى رغم كافّة المآخذ، المُحقّة وغير المُحقّة، كان أكثر حرّيّة وازدهاراً من جواره، وهذا ما كان ليحصل لولا التسلّح بالفرنسيّة الذي أعطاه موقعاً على خريطة العالم أكبر كثيراً منه.

وبالطبع لعبت الانكليزيّة دوراً مكمّلاً، هي التي حظيت أيضاً باستقبال ودّيّ. بيد أنّ فارقين مَيّزا بين اللغتين ودوريهما. فالفرنسيّة باتت، لدى متحدّثيها من أبناء الطبقات العليا والوسطى، رأسمالاً رمزيّاً يعلن الموقع الاجتماعيّ لصاحبه أو يؤكّده. وهذا سببه ارتباطها بالكولونياليّة الفرنسيّة وبمعاهد التعليم منذ كانت قليلة العدد، قبل أن تتزايد، وهو ما أضفى على إجادتها لوناً نخبويّاً، طائفيّاً وطبقيّاً. أمّا انتشار الإنكليزيّة فانطوى على « ديمقرطة » عابرة للطوائف والطبقات، ما جعل مُتلقّنيها قليلي الحفول برأس المال الرمزيّ، مهتمّين فقط برأس المال الماديّ. فالشابّ الذي يرطن بالانكليزيّة لا تتخيّله إلاّ تلميذ بيزنس أو بانكينغ، مهجوساً بأسعار البورصة والعملات المشفّرة، وبالسفر إلى دبيّ على متن أوّل طائرة سوف تُقلع. أمّا الكلمات الإنكليزيّة الأكثر تداولاً فوظيفيّةٌ ترتبط بمهنة صاحبها، أو بإيصال تعبير تقنيّ محدّد ودقيق غالباً ما يكون أصله إنكليزيّاً.

ويتّصل الفارق الثاني بالسياسة: فمَن ينتسبون إلى مراتب اجتماعيّة دون الوسطى، يمارسون عبر الفرنسيّة تصويتاً باللسان. فهم يعلنون إصراراً على الانتماء إلى هويّة وطنيّة، وربّما دينيّة، متمايزة عن المحيط. وفي المقابل، يبدو المتحدّث بالانكليزيّة كالباحث عن هويّة كونيّة أو معولمة، على رغم أنّ الحمولة الثقافيّة لهويّته تبقى أخفّ كثيراً من حمولتها العمليّة المباشرة. فالانكليزيّة لم يهتمّ متكلّموها بفرز ذاتهم وتمييزها، وهذا ربّما نجم عن تحوّلها، بسبب أميركا، لغةً عالميّة أولى، واثقة بنفسها. وفي الاتّجاه نفسه عمل ماضي الانكليزيّة عندنا، إذ ارتبط بالمشاريع التي رافقَت إحياء المبشّرين والمترجمين البروتستانت للثقافة العربيّة.

على أيّة حال، يبقى أنّ فضل اللغات الأجنبيّة على لبنان يعادل فضل لبنان على أبنائه حين أتاح لهم تعلّمها. إلاّ أنّ الحرب المديدة أفقدته الكثير من هذا الثراء فانتهى أقلّ تعلّماً وأشدّ فقراً، أهمُّ ما يملكه من متاع الدنيا المقاومة.

أمّا أنا الذي عدت إلى البناية نفسها في الأشرفيّة بعد 50 سنة، فصرتُ أتوق إلى مَن يسألني « À quel étage, s'il vous plaît » ?. لكنّ سكّان البناية الذين كانوا يسألون تُوفّوا كلّهم خلال الحرب التي كرهوها، فيما هاجر أبناؤهم وأحفادهم مُقرّرين ألاّ يعودوا.

حازم صاغية

صحافي وكاتب

تابعوا مقالات حازم صاغية مرتين شهريًا في «أصوات من الشرق الأوسط»، مساحة الأفكار بثلاث لغات في لوريان لوجور.





حازم صاغية أحد أبرز أعلام الصحافة العربية. عمل في صحيفة «السفير»، ثم في «الحياة»، قبل أن ينضمّ إلى «الشرق الأوسط» عام 2019. ينظر إليه على أنه أحد أكثر الاصوات النقدية تأثيرًا في السجال الفكري العربي المعاصر. وتتناول مؤلفاته ومقالاته بصورة أساسية قضايا السياسة والثقافة، وتتميّز بنقدها للفكر القومي والسلطوية والإسلام السياسي.هذا الأسبوع، يعود الكاتب إلى توجّسه في مرحلة سابقة من اللغة الفرنسية، ليبيّن كيف أسهمت اللغات الأجنبية في ثراء لبنان، قبل أن تنال الحرب...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut