Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

أثر البزاقة: في اليأس أسلوباً للمقاومة


أثر البزاقة: في اليأس أسلوباً للمقاومة

يقود رجل دراجة نارية عند مدخل مخيم اليرموك الفلسطيني في جنوب دمشق، في 22 مايو 2025. Photo Louai Beshara/AFP

لما اختطف بروميثيوس النار من السماء ووهبها البشر، شعر زيوس ربُّ الأرباب بغضب شديد، ورغب في الانتقام من هؤلاء الفانين. ما كان منه في سَورة غضبه إلا أن ترك مرطبانا، جرة من فخار، في رعاية باندورا، زوجة شقيق بروميثيوس. باندورا تشعر بالفضول: ماذا عساه خبأ الربُّ في الجرة؟ مربى فراولة؟ قطة جميلة؟ آيفون 17 بروماكس؟ رصيداً من البتكوين؟ بقية الوثائق الإبستينية التي لم تطلق دائرة العدل DOJ الأمريكية سراحها بعد؟

ترفع باندورا غطاء المرطبان فتتدفق الشرور خارجا: الألم، الموت، المرض، الجوع، الهرم... مرتاعةً مما رأته، تهرع باندورا لإغلاق المرطبان، تاركة شيئاً أخيراً في قعره: الأمل /إيلبِس/ ناديجدا/ إسبرانثا/ هوب.

ثم اختلف الأحزاب في تأويل الأسطورة: ماذا كان يصنع الأمل في مرطبان يحوي الشرور؟ ثم ما دلالة بقائه حبيسا؟

كتب نيتشه: "لم يكن زيوس يرغب في أن يطيح الإنسان بحياته أيّاً ما كانت المعاناة التي يقاسيها. كان يريده أن يستمر ليقاسي أكثر، لذا فقد زوده بالأمل، أكثرِ الشرور شرّا، لأنه الكفيل بإطالة أمد المعاناة".

معقول، لكن نيتشه نسي أن الأمل ظل في المرطبان.

درعٌ ضد الجنون الدائم

ثم جاء من أراد تفحُّص الترجمة، فأعلَمَنا أن الكلمة الإغريقية إيلبس Elpis لا تعني "الأمل" بلفظه المشرق فحسب، هي تعني أيضاً الآمال الخادعة، التوقعات الكاذبة، "لدغة الأمل التي تفوق اليأس سُمّيّة" وفق تعبير أحدهم.

ربما، لكن مجددا: لم بقي هذا الإيلبس الإبليس حبيس الجرة؟

والحديث عن الأمل، والشرور، يجرّني من أنفي إلى الحديث عن المنطقة التي تسمى الشرق الأوسط، عن الحروب التي لا تنتهي فيها، وآخرها ما تسميه قناة الجزيرة: "الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، والهجمات الإيرانية على دول الخليج، والوضع في لبنان"، وهو اسم طويل جدير بعنوان لوحة لسلفادور دالي. في هذه المنطقة السريالية يجد اليأس وفرة من العوامل التي تساعده في النماء، وهو يغتذي فيها ويتناسل كما تفعل البكتيرات في طبقِ بِتري. ههنا يطل هذا السؤال برأسه الشيطاني: من أية الطرق يأتي نحوك الأمل؟

في بقعة ضئيلة من هذه المنطقة عاش كاتب هذه السطور ست سنوات (2012- 2018) في مخيم محاصَرٍ جائعٍ مريض، اسمه مخيم اليرموك. وكان عليه فوق ذلك، وهو الطبيب الجرّاح، أن يعتني بآلاف المرضى المحاصَرين الجائعين. وقد يكون ظن في يوم من الأيام أنه بلغ ذروة اليأس، أو حضيضه، فتذكَّرَ أنه زمان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، انتفاضة الأقصى، عبّرت له صديقة أمريكية عن حزنها من أن اليأس يدفع الشبان الفلسطينيين إلى تفجير أجسادهم في الجنود والمستوطنين. كان اعتراضه يومها بسيطا: اليائس يصاب باكتئاب، يهاجر، يدمن المخدرات، ينتحر، لكنه لا يقاوِم ويَقتل ويُقتل رغبة في حياة أفضل، حياةٍ تليق باسمها.

وكان أن فقدت تلك الذكرى قوّتها الدافعة، فزوّدَ نفسه بعدد من الشعارات المتألقة: لا بد أن أعيش نكاية بمن يريدونني ميتا، لا بد أن أعيش لأشاهد الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل الطويل، أستطيع التخلص من حياتي في أية لحظة… ثم اخترع اقتباساً ركيكاً نَسَبَه لشاعر ألماني مجهول: ما دام هناك موت فهناك أمل.

لكن ما نفع تألق الشعارات والاقتباسات في ظل غياب مشروعٍ عربيٍّ جامع؟ ما مردودها الاقتصادي في مجتمعات وشعوب منقسمة عمودياً وأفقياً وقطريا؟ حينها لجأ إلى الذاكرة بوصفها فعل مقاومة، وإلى الكتابة والقراءة بوصفهما حصانة من الجنون الدائم النهائي.

اليأس كقوة دافعة

ولأن خزانة أمنا الطبيعة ملأى بالعظات، جاءه الدرس الأثمن ذات أمسية يرموكية من بزّاقة تزحف على مهل كأنه لا وجود للغد، تاركة وراءها طريقاً فضياً لامعاً كالدرب اللبنية. قالت له البزاقة فيما قالت (نعم! فالحرمان الحسي أيامها علّمه منطق الحيوان والجماد): إن اليأس يمكن أن يكون دافعاً هو الآخر، يمكن أن يكون البيضة التي يفقس الأمل منها. وصوّرَتْ له، كي تقنعه، ألبير كامي يقف مخاطباً النازيين: لقد حاصرتمونا بشكل خانق، وخلّفتم لنا الجحافل التي بها سنهزمكم: اليأس. أوصته البزاقة فيما أوصته ألا يستسلم لليأس، بل أن يعانقه. وكان لكلماتها الأخيرة وقع خاص: كن ذا يأس، لكن لا تكن يائسا. باليأس دمّرتَ نفسك، فَبِه أعد بناءها في دائرة العَوْد الأبدي التي أوقعك فيها الأزل. أعرفك مثلما تعرف نفسك، وربما أكثر. هل أذكّرك بأمسية طار فيها شيء منك إلى المستقبل، ثم عاد ليخبرك كم الحياة بديعة هناك؟

لم تكن تلك البزاقة اليرموكية فيلسوفة عبثيّة أو عدميّة، ولا باحثة في الإتمولوجيا. لم يعلّمها أحد أن الحياة على الأرض (أو في الشرق الأوسط) لعنة أو خطيئة. لعلها قرأت الأسطورة، واستنتجتْ منها شيئاً بسيطاً واضحا: الأمل موجود، لكنه سجين الجرة، معتقل في القعر، عليك البحث عنه واستخراجه بأظفارك وأنيابك.

ربما يكمن الأمل في الإيمان الديني، في حركة الزمان التقدمية، في مكر التاريخ، في الشعوب، في الضمير الإنساني، في رُشَيم نبتة يخرج من بين الركام، ما أدراني؟ وربما يكمن في اليأس نفسه، إذ قد لا يكون اليأس، إن فهمناه على طريقة صديقتي البزاقة، بالسوء الذي يبدو عليه.

خلدون الملاح

طبيب وكاتب فلسطيني، ينحدر من مخيم اليرموك في ضاحية دمشق، سوريا. خلال حصار المخيم من قبل نظام الأسد وحلفائه (2012-2018)، كان من بين الأطباء القلائل الذين بقوا فيه. تحت الاسم الأدبي «أبو الخلود»، نشر نحو 70 نصًا على منصة «سرد» التي تُعنى بذاكرة الثورة السورية، ولا سيما ذاكرة المخيم. وبعد انتهاء الحرب، شارك في تأسيس جمعية «البيت الفلسطيني».

لما اختطف بروميثيوس النار من السماء ووهبها البشر، شعر زيوس ربُّ الأرباب بغضب شديد، ورغب في الانتقام من هؤلاء الفانين. ما كان منه في سَورة غضبه إلا أن ترك مرطبانا، جرة من فخار، في رعاية باندورا، زوجة شقيق بروميثيوس. باندورا تشعر بالفضول: ماذا عساه خبأ الربُّ في الجرة؟ مربى فراولة؟ قطة جميلة؟ آيفون 17 بروماكس؟ رصيداً من البتكوين؟ بقية الوثائق الإبستينية التي لم تطلق دائرة العدل DOJ الأمريكية سراحها بعد؟ترفع باندورا غطاء المرطبان فتتدفق الشرور خارجا: الألم، الموت،...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut