رجل يعبر شارعا تجاريًا مزدحمًا في البصرة، المدينة النفطية الكبرى في جنوب العراق، في سبتمبر 2018. Photo Haidar Mohammed Ali/AFP
تبحث الصحافية العراقية أماني الحسن في العلاقة بين التخطيط الحضاري واقصاء النساء من الفضاء العام.
عرفتْ أقدامي مدنًا جنوبية عدة تجولتُ في بضعها، فيما لم يسمح لي معظمها بالتجول. وفي كل مرة، وقبل أن تطأ أقدامي الشارع، وقبل أن أمسك مقبض الباب، ثمة نفس ثقيل يحط كالصخر على صدري، إذ تتحول الشوارع في مخيلتي فوراً إلى ثكنة عسكرية يتوجب عليّ اختراقها للوصول إلى المكان المطلوب بأقل الخسائر الجسدية والنفسية، ومن دون إثارة الانتباه. ففي مخيلتي، هذه مساحة مشحونة بالذكور تستدعي الاسراع وتلك زاوية حرجة تفرض التوجس واليقظة كي لا أسقط، وتلك تقتضي القفز المرتبك بين خطوة وأخرى. في مدننا، هكذا يتحول الخروج من المنزل الى معركة مع المدينة.
من المؤكد ان أجسادنا كفتيات ليست مساحات محايدة . إنها كتلٌ مثقلة بالنظرات، محكومةٌ بالمقاييس، ومحاصرةٌ بتوقعات كل من هبّ ودبّ، مما خلق لدي حالا حتمية من « الخروج الوظيفي » إذ يغدو من المستحيل أن أغادر عتبة المنزل إلا لإنجاز مهمة طارئة، متحركة بآلية صارمة من النقطة « ألف » إلى النقطة « باء ». لأنني أعيش في فضاء لا يرحب بي، ولا يبدو أنه يراني من الأساس أو يعترف بكينونتي؛ لذا أقف بانتظام خلف الباب، أتنفس بصعوبة، وأنظر من وراء الستارة المنسدلة أو من شق الباب الحديدي الضيق إلى فضاء ممتد من طرقات مفروشة بالتراب الناعم المتروك لعشوائية الرياح ليرتفع خانقاً في الصيف، أو غارقة في مستنقعات الطين التي تخلفها أمطار الشتاء، وسط مساحات إسمنتية مصمتة يغيب عنها الرصيف تماماً وتلتبس فيها الحدود. وفي تلك اللحظة الحرجة، أدرك تماماً أنني مجبرة على خلع هويتي الذاتية ورغبتي العفوية في المشي، والتسكع، أو مجرد التفكير بقدميّ لتصفية ذهني المنهك، لأجد نفسي مضطرة إلى اختراق حيز يعلن لي في كل تفصيلة معماريّة، وفي تخطيطه العشوائي القاسي، أن وجودي فيه ليس سوى فائض عن الحاجة، أو حدث طارئ يجب أن ينتهي سريعاً.
جغرافيا النفي المعنوي
إن هذا الغياب الفادح للبنية التحتية وأبسط مقومات « أنسنة الفضاء » التي أختبرها يومياً في مدن الجنوب العراقي ، ليس مجرد تقصير خدمي عابر أو أزمة بلديات متعاقبة يمكن حلها برصف عشوائي ، بل هو نفي معنوي وعمراني ممنهج يخرج النساء والفتيات من المجال العام، ويعيد صياغة حضورهن باعتباره استثناءً لا أصلاً. أنا هنا لا أملك ترف الشكوى من « أرصفة غير مؤهلة » تضايق عابري العواصم المزدحمة كبغداد، بل أواجه أزمة أعمق وأكثر راديكالية: أواجه غياب الرصيف أصلاً. وغياب الرصيف في عمقه السوسيولوجي ليس مشكلة تقنية، بل هو عزل معنوي ونفسي صارم؛ إنه يعني غياب الفاصل الفيزيائي الآمن الذي يحمي جسد العابرة، وانعدام المساحة الرمزية المخصصة لي كإنسانة تملك الحق في مدينتها. وحين تفتقر المدينة إلى ارصيف، والممرات المضاءة، والحدائق الصغيرة القريبة التي يمكن أن ألجأ إليها لألوذ بكتبي أو لألتقي بصديقة في هدوء، فإنها تغلق أبوابها في وجهي ببطء وإصرار من خلال صمتها البصري الموحش. المدينة هنا لا تطردني بالقوة الفجة، بل بالإهمال؛ تجعلكلفة خروجي لمجرد التأمل وجرف الأفكار الزائدة باهظة ومستنزفة، لأن الشارع مصمم ليكون حكراً على المركبات وحركة الرجال، لا فضاءً يرحب بخطوات الفتيات. هذا التصميم الأحادي يحوّل حركتي إلى ممارسة « وظيفية » مشروطة بجدول زمني ومبرر واضح لا يقبل التأويل؛ فلا مكان هنا لـ »المرأة » التي تبحث عن ذاتها أو إلهامها بين الشوارع والمنعطفات، إذ بمجرد أن أبطئ خطوتي، يطالبني الفضاء بصمت صاخب بأن أبرر وجودي فيه بنشاط عملي مستعجل،ما يولدفي داخلي شعوراً عنيفاً بالاغتراب والوحشة، وكأنني سائحة غريبة في مدينة ولدت وأعيش فيها، لكنني لا أملك شبراً واحداً من شوارعها.
من حصار الجدران إلى سياج الاستهلاك
أمام هذا الانغلاق العمراني الشامل، ينكفئ الفضاء الخارجي تماماً وتضيق الخيارات الحياتية، لتتحول جدران المنزل إلى الملاذ الوحيد المتاح، والآمن اجتماعياً وعمرانياً. وحتى في حال وُجدتْ أماكن بديلة للخروج، فإنها لا تأتي كفضاءات عامة حرة، بل تتجسد على هيئة « مولات » تجارية ضخمة ومعلبة ، مساحات مشروطة لا ترحب بوجودنا إلا بصفتنا مستهلكات، وتستنزف النساء مادياً ونفسياً لتمنحهن حقاً موقتاً في التواجد خارج المنزل.
هذا الانكفاء القسري أو البديل الاستهلاكي ليس رغبة أصيلة في العزلة، بل لأن المدينة في الخارج لم تترك لي مكاناً مجانياً واحداً ألوذ به أو مساحة أتنفس فيها كإنسانة مستقلة ، لتصبح الغرفة الصغيرة خلف الستائر السميكة هي المساحة الوحيدة التي أملك فيها حق الوجود من دون شروط، بينما يتحوّل العالم الخارجي الفسيح إلى لوحة إسمنتية رمادية قاسية، أكتفي بمراقبتها من خلف زجاج النافذة البارد.
إن المدن التي لا تمنح الفتيات رصيفاً يمشين عليه، هي مدن تصادر هوياتهن بالخرسانة والغبار وتفرغ حيواتهن من المعنى. نحن لا نطالب بمدن معجزة أو مساحات ترفيهية باذخة لا تلائم واقعنا؛ لا نحتاج إلى أمتارٍ مربعة تحيط بنا لتعزلنا، بل إلى أمتارٍ طولية تحتضن وقع أقدامنا، شوارع لا تطالبنا بضريبة (التأهب) قبل أن نخطو فيها، ولا تُجبرنا على قضاء ساعات في تحصين مظهرنا وهويتنا كمن يستعد لخوض معركة عسكرية. نحن نطالب بأبسط حقوق المُواطنة الحضرية والمساواة الإنسانية في الفضاء العام؛ نطالب بمدينة تملك رصيفاً ممهداً صالحاً للمشي، وشوارع مضاءة تبدد وحشة العتمة، وفضاءات آمنة ومفتوحة تتسع لخطواتنا ، نطالب بمدينة لا تعاملنا كعنصر زائد عن الحاجة ينتظر بفارغ الصبر العودة إلى العزل خلف الجدران.
أماني الحسن
باحثة وصحفية نسوية عراقية، تهتم بدراسة وتحليل قضايا المرأة من منظور علم الاجتماع السياسي، لتربط بين قضايا النساء والسياقات السياسية والاجتماعية المحيطة بهن ، مع التركيز على تجارب نساء جنوب العراق.



Les forces iraniennes revendiquent des attaques de drones sur Bahreïn, la Jordanie et le Koweït