Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

العيش المشترك في لبنان: بين الهشاشة والسرديات المتحاربة


 العيش المشترك في لبنان: بين الهشاشة والسرديات المتحاربة

زوج يرفعان العلم اللبناني، في 28 فبراير 2025، في حولا، جنوب لبنان، أمام مبناهما الذي دمره الجيش الإسرائيلي، بعد ساعات قليلة من انسحاب الجنود الإسرائيليين من القرية. Photo Matthieu Karam / Archives L’Orient-Le Jour

منذ الاستقلال، عاش اللبنانيون على وعدٍ بالتوازن، تارةً تحت لافتة “الميثاق”، وطوراً تحت شعارات “الصيغة” و”المناصفة”. غير أنّ هذه الصيغ، على أهميتها في تنظيم الشكل السياسي، لم تُنتج مواطنةً تتقدّم على العصبية، ولا إنساناً يتحرّر من ظلّ طائفته. بقي العيش المشترك، في جوهره، تسويةً هشّة أكثر منه قناعةً راسخة، وحلّاً عملياً أكثر منه عَقداً أخلاقياً. لذا، تراه ظلّ مهدَّداً في كلّ لحظة، لأنّه لم يُبنَ على يقينٍ داخليٍّ، وإنما على الخوف من البديل.

اليوم، ليس في لبنان ما يبعث على الطمأنينة. فالجسد الذي أكلته الحروب وخرّبته الأزمات، لم يعد يحتمل حتى مسكّناً خفيفاً، وكأنّ الوجع نفسه صار من لوازم العيش، لا عارضاً طارئاً. والمسافة بين الطائفة والوطن، التي اعتقدنا يوماً أنّ الكلام والاختلاط اليومي قادران على ردمها، عادت أطول وأكثر حدّة وحضوراً من أيّ وقتٍ مضى. كأنّ البلاد، على نحوٍ مأساويٍّ متكرّر، تستعيد أمراضها الأولى ليس بهدف تجاوزها، وإنما لكي تغرق فيها من جديد.

هنا بالضبط تنشأ المفارقة الصعبة التي يعيشها لبنان: فعبارة “العيش المشترك” نفسها تبدو وكأنما تحاول وصف ما لا يستقرّ على وصف، باعتبارها رجاءً معلّقاً بين الهشاشة والإرادة، بين ما نأمله وما ترفضه البنية العميقة للمجتمع والسياسة معاً. لذلك، كلّما اشتدّت الأزمات، غادرت الجماعاتُ الوطن كفضاء مشترك، لتعود إلى ذاكرتها الجريحة، مخازن الريبة القديمة، والأسلحة الرمزية التي لم تغادرها يوماً.

والحال أن الانقسام اللبناني في السنوات الأخيرة، لم يعد مجرّد خللٍ سياسي أو اضطرابٍ ظرفيّ، إذ تحوّل طريقةً لتفسير العالم، فإذا بنا نحيا داخل “سرديات” تتزاحم، تتقاطع، وتتقاتل، فيما تزعم كلّ واحدةٍ منها أنّها المفتاح الوحيد لفهم ما يجري. هكذا انتقل الصراع من ميدان السلطة إلى ميدان المعنى: من يملك الحكاية يملك جزءاً من الواقع، ومن يفرض روايته يفرض معها حدود الممكن والممنوع، ويعيد ترتيب الخوف والأمل معاً.

ضمن هذا الاشتباك، تتقابل سردية “المقاومة” التي يقدّمها حزب الله، مع سردية “الدفاع الوقائي” التي تروّجها إسرائيل. وفي حين أن الظاهر يكشف عن خصومة مطلقة بينهما، غير أنّ الباطن يُظهر علاقةً شديدة الالتباس حيثتغذّي كلّ واحدةٍ منهما الأخرى لكي تظلّ قائمة. فالاعتداءات الإسرائيلية تمنح خطاب المقاومة ما يبرّر حضوره واستمراره، فيما يمنح السلاح والهيمنة على مفاصل دولة مهترئة، خطابَ الأمن الإسرائيلي مادته الدائمة وذريعته الجاهزة. هكذا لا يعود العداء مجرّد صدامٍ بين طرفين، بل شكلاً من أشكال التغذية المتبادلة، وكأنّ كلّ طرفٍ يستمدّ من خصمه سببَ وجوده.

الدفاع عن البراءة قبل الدفاع عن الرأي

أمام هاتين الروايتين، تبرز سردية ثالثة: إنها سردية الدولة، وسيادتها، وضرورة احتكارها القوة على كامل الأرض. بيد أنّ هذه السردية تبدو، في لبنان، وكأنها مؤجَّلة على الدوام، فالطريق إليها طويل، والأرضية المشتركة التي تُبنى عليها تتآكل، أو ربما أنها لم تتأسّس كما ينبغي من الأصل. فالدولة التي يُراد لها أن تكون الحلّ، تبدو أحياناً جزءاً من المأزق، حين يُطلب منها خلاصٌ لا تملك أدواته، وحين يُراد أن يولد من داخل البنية نفسها، ما لا يمكن أن يولد إلا من خارجها.

لذا، يجد المواطنُ الذي لا يريد أن ينخرط في هذه الاصطفافات، نفسَه في موقعٍ بالغ القسوة، حيث تُقرأ إدانةُ العدوان الإسرائيلي اصطفافاً مع الحزب، والتوقُ إلى إضعاف الحزب خيانةً للمقاومة. وبين التهمتين هاتين، يُدفع الفردُ إلى أن يدافع عن براءته قبل أن يدافع عن رأيه، وأن يبرّر موقفه قبل أن يعبّر عنه. وهكذا، لا يعود السؤال: ما الصحيح؟ بل: كيف ننجو من سوء الفهم؟ وكيف نمرّ بين الإدانة والإدانة المضادّة من دون أن نفقد إنسانيتنا؟ بحيث تتحوّل الهويةُ عبئاً، والموقُف مغامرة، والحياد شبهةً.

يبقى سؤال آخر: هل يصحّ أن نساوي بين هذا الطرف وذاك؟ لعلّ التفاصيل لا تسمح بالمساواة المطلقة، لكنّ المشهد العام يضع لبنان في حالٍ أقرب إلى حجرٍ هشٍّ واقعٍ بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران. وما يزيد المأساة عمقاً أنّ البلد نفسه لم يعد يبدو ساحةً للصراع فقط، بل أصبح كأنه موضوع الصراع ومعناه معاً. لم تعد الحرب تقع على أرضه فحسب، بل في صورته عن نفسه، في لغته، في ذاكرته، وفي قدرته على تخيّل غدٍ لا تحكمه العصبيات.

لا يبدو لبنان اليوم بلدًا يمرّ بأزمة، بل بلدًا يذبل في معناه نفسه، قبل أن يذبل في واقعه. فالأوطان لا تموت دفعةً واحدة، بل تتآكل أولاً في الوعي، ثم في اللغة، ثم في القدرة على التخيّل. وعندما يضعف الخيال المشترك، يصبح التفككُ خياراً يبدو معقولاً، لا بل مريحاً أحياناً، ووداع العيش المشترك انفكاكا من الأزمة، في حين أنه في الواقع بمثابة انتحار جماعيّ. نعم، إن الدفاع عن العيش المشترك ليس دفاعاً عن صيغةٍ دستورية أو تسويةٍ سياسية، بقدر ما هو دفاع عن إمكان أن يبقى هذا البلد قابلاً للحياة، وألا يتحوّل الخرابُ المعمَّم - الأفق الوحيد المحتمل والمرئي حدّ الآن - فكرةً مقبولة، أو قدرا حتميا نُساق إليه بصمت.

نجوى بركات

روائية وصحفية لبنانية

آخر رواياتها "غيبة مي"، بيروت، دار الآداب، ٢٠٢٥

منذ الاستقلال، عاش اللبنانيون على وعدٍ بالتوازن، تارةً تحت لافتة “الميثاق”، وطوراً تحت شعارات “الصيغة” و”المناصفة”. غير أنّ هذه الصيغ، على أهميتها في تنظيم الشكل السياسي، لم تُنتج مواطنةً تتقدّم على العصبية، ولا إنساناً يتحرّر من ظلّ طائفته. بقي العيش المشترك، في جوهره، تسويةً هشّة أكثر منه قناعةً راسخة، وحلّاً عملياً أكثر منه عَقداً أخلاقياً. لذا، تراه ظلّ مهدَّداً في كلّ لحظة، لأنّه لم يُبنَ على يقينٍ داخليٍّ، وإنما على الخوف من البديل.اليوم، ليس في لبنان...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut