Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

١٥ عامًا على الثورة المصرية... محاولات طمس الحقيقة ونسج الأكاذيب


  ١٥ عامًا على الثورة المصرية... محاولات طمس الحقيقة ونسج الأكاذيب

بعد أسبوع من رحيل حسني مبارك، عاد آلاف المتظاهرين يوم الجمعة 18 فبراير 2011 إلى ميدان التحرير في القاهرة، عاصمة مصر، للاحتفال بسقوط نظامه. Photo Patrick Baz/Archives AFP

وقفنا نحن الخمسة على حافة ميدان التحرير بوسط القاهرة. جميع الشوارع المتفرّعة من الميدان مكتظة بالمتظاهرين. بشكل ما تمكنت من رؤية بانورامية، حيث المتظاهرون على مد البصر. قوات من الشرطة المصرية مدججة بالأسلحة، وأفراد ملثمون متراصون كأسنان المشط يغلقون كل مداخل الميدان بأجسادهم، ومن خلفهم سيارات مدرّعة.

سألت من بجانبي: "أنحرض الناس على التظاهر واختراق الميدان أم سيخذلوننا؟" لو فشل الحراك، نحن من سيُلقى بنا في المعتقل مجددًا. نظرنا إلى الجمع الغفير وبدأنا الهتاف ومحاولة كسر الكردون الأمني. واحد منّا مُعتاد على الاعتقال، أُلقي القبض عليه، اثنان هربا سريعًا واختفيا من المشهد، أنا والصديق الآخر ركضنا من المخبرين الذين يلاحقوننا، نحاول الفرار وهم في إثرنا.

استيقظت من النوم على هذا الحلم في الذكرى الخامسة عشرة للثورة. أفراد الحلم الخمسة؛ ثلاثة منّا يعيشون بالمنفى واثنان مازالا بمصر. هاتفت الأصدقاء وحكيت لهم ما رأيته في سخرية وشجن.

بين الابتسام والاشمئزاز

في عام ٢٠٢٠، أنتجت الشركة المتحدة التابعة لجهاز المخابرات العامة المصرية، الجزء الأول من مسلسل الاختيار، الذي تناول قصة حياة ضابط القوات المسلحة أحمد المنسي، الذي استشهد عام ٢٠١٧، في شمال سيناء، وركز العمل على إظهار الفوارق بين شخصية المنسي وشخصية الضابط المنشق عن الجيش هشام عشماوي الذي تحول إلى إرهابي فيما بعد.

عندما عُرض المسلسل للمرة الأولى، كنت لا أزال في المعتقل السياسي أواجه اتهامات ملفقة متعلقة بالإرهاب بعدما استهدفني الأمن المصري بسبب عملي الصحفي، فلم يتثن لي متابعة الحلقات. وبالتزامن مع الذكرى الخامسة عشرة للثورة، قررت مشاهدة الاختيار بأجزائه الثلاثة من منفاي في كندا، بغرض فهم المنظور الأمني لعرض وتوثيق ومعالجة بعض الأحداث التي عشناها على مدار عقدٍ ونصف.

كان الجزء الأول من المسلسل مقبولًا نسبيًا، رغم ما به من عوار درامي ومبالغات في الحوار ومبالغات في رسم الشخصيات بثنائيات الخيّر والشرير، وتدليس أو بالأحرى اقتطاع في بعض الأحداث. لكنه ركّز بشكل كبير على الجانب الشخصي والعملي لحياة ضابط قوات مسلحة يخدم في شمال سيناء خلال فترة تصاعد فيها العنف والعمليات الإرهابية، دون أن يتطرق كثيرًا بشكل أمني وصائي لأبعاد الخلافات السياسية ومشاكل الحكم والأزمات الداخلية والأمنية، مما جعل العمل قابل جزئيًا للهضم وخاضع للمناقشة.

أما الجزء الثاني، فمع الدقائق الأولى، كانت الأكاذيب والتدليس والتزييف تفترش الشاشة، وجاء الحوار السيء الصادر من ألسنة الممثلين كأنهم يقرؤون نشرة أمنية كتبها ضابط أمن ليكمل المشهد. واستكمل الجزء الثالث على نفس الوتيرة، بل بشكل أكثر رداءة، ومعالجة للأحداث بطريقة غير قابلة للتصديق.

مثال على ذلك، فكرة تجسيد ضباط الأمن الوطني كملائكة يعملون لخدمة الوطن، ولا ينتقمون من أسر المجرمين بأوزار أبنائهم، أو شكل غرف التحقيق التي يجلس بها المتهمون بكل كرامة وأمامهم الضابط يحقق معهم ويستدرجهم للاعتراف بكل يسر. تلك المشاهد مثيرة للسخرية أو للغثيان. فلا يُخفى على أحد، كيف تُدار المنظومة الأمنية، وكيف يختفي المصريون في أقبية أمن الدولة يتعرضون للخطف والتعذيب بلا رادع.

أشباح الثورة

لدي تقدير بسيط وسهل الفهم لهذا التدني الدرامي؛ لربما أشرفت المخابرات الحربية والشؤون المعنوية للقوات المسلحة على إنتاج الجزء الأول، فركزت على مفهوم الشرف والتضحية العسكرية من خلال إلقاء الضوء على جوانب من حياة الشهيد المنسي. أما الجزء الثاني، فأشرف عليه جهاز الأمن الوطني، بما يمتاز به ضباطه من غشامة ومن غباء منقطع النظير وجهل بأساسيات الآداب والفنون والدراما، أو كما يقول الأبنودي "ويهين المعنى الظابط/ويدوس بالجزمة ع الحلم/ربنا رازقه بجهل غانيه عن كل العلم". فجاء التركيز في هذا الجزء على حياة ضباط الأمن الوطني وتغليفها بأكاذيب لا تنطلي على أحد. وما زاد الطين بلة، إذ تتدخل منظومة الرئاسة للإشراف على الجزء الأخير لاستعراض جوانب من حياة الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي بينما ما يزال في السلطة، حيث لا مجال للخطأ.

لو وضعنا ذلك التقدير في الحسبان، ربما نفهم المنظور السياسي لكل جزء.

مرت خمسة عشر عامًا على الثورة، ولا زال شبحها يلوح في الأفق، ولا زال تشويهها مستمرًا. يحكم النظام العسكري الحالي مصر منذ ١٣ عامًا، ورغم ذلك يحاول إلصاق كل فشل بالثورة أو بجماعة الإخوان المسلمين الذين يملؤون السجون والمعتقلات ولم يحكموا سوى لعام واحد قبل الانقلاب العسكري في يوليو ٢٠١٣.

كتب أحد الأشخاص ساخرًا على فيسبوك: "ربنا يخلّصنا من الإخوان اللي حاكمينا في المسلسلات بقالهم ١٣ سنة" تعليقًا على عرض الحلقات الأولى من مسلسل "رأس الأفعى"، وهو كذلك عمل درامي/أمني يُعرض في رمضان الحالي، ويخدم منظور النظام ويقدم رؤيته الأمنية من خلال فزّاعة الإخوان المسلمين.

كان الانتقام من الثورة بشعًا خلال العقد الماضي. في بعض الأحيان أشعر وكأن الإفساد والتدمير لهذا البلد متعمدًا، ومعاناة الشعب وتجويعه وإخضاعه استراتيجية مقصودة فضلًا عن كونها فشلًا سياسيًا أو ديكتاتورية عسكرية غاشمة. وكلما زادت أوجاع الشعب المصري ومعاناته كلما رددت أبواق النظام اللوم على الثورة. لولا الثورة لما كانت هذه المعاناة.

ما يجب علينا أن نذكره دائمًا ونذكّر به أن الثورة ليست سببًا فيما آلت إليه الأمور، بل الانقلاب عليها. سعت الثورة -بكل بساطة- إلى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. سعت الثورة إلى دولة عدل يحكمها قانون واحد دون تفرقة، وتسودها المساواة في الحقوق والواجبات. لم تسع الثورة إلى تصنيف البشر في رتب اجتماعية علوية ودنيا، ترأسها جميعًا الرتبة الميري.

سورٌ يحمي الحقيقة

لم يكتف النظام الحالي بالقمع الأمني والسيطرة الإعلامية وتمكين رجال الجيش ورجال الأعمال إلى جانب الفشل الاقتصادي وانهيار العملة المحلية والأزمات الداخلية التي يدفع ثمنها الشعب، إنما يحاول فرض حكايته من منظوره كبطل مخلّص أنقذ البلاد من حكم إسلامي رجعي ومن جماعة إرهابية. لكنه رغم ذلك لا ينفك أن يهدد بفزاعة الإرهاب في كل فشل أو خوف ينتابه من أي اضطراب داخلي محتمل. ويعود ويذكّر بأن الثورة خطأ وأن ما حدث في ٢٠١١ لا يكمن أن يتكرر مرة أخرى.

مع غلق المجال العام والسيطرة الأمنية الكاملة على الإنتاج الفني، أصبحت رواية الأمن هي الرائجة، ومع الوقت قد تثبت تلك الرواية في عقول مَن لم يعاصروا الأحداث أو من لا ينتمون إلى تلك المنطقة وإلى تلك الحقبة. ولذلك فإن كل كتابة وكل توثيق وكل محاولة مهما كانت فردية وضئيلة ومحدودة في وجه السيل الجارف وفي وجه المنظومة العارمة، فهي محاولة تستحق الاحترام والتشجيع. فقد تكون تلك الكلمات في يوم من الأيام هي الدرع الحامي للحقيقة. أدوارنا لم تنتهِ بهزيمة الثورة، بل فقط تبدلت إلى أدوار أخرى.

فإن سُرقت منّا الثورة مرّة، فيجب ألا تُسرق مرتين. وإن هُزمنا في الجغرافيا فيجب ألا نُهزم في التاريخ.

مصطفى الأعصر

صحافي، باحث، ومدافع عن حقوق الإنسان، وسجين سياسي مصري سابق، يعيش اليوم في المنفى في كندا



وقفنا نحن الخمسة على حافة ميدان التحرير بوسط القاهرة. جميع الشوارع المتفرّعة من الميدان مكتظة بالمتظاهرين. بشكل ما تمكنت من رؤية بانورامية، حيث المتظاهرون على مد البصر. قوات من الشرطة المصرية مدججة بالأسلحة، وأفراد ملثمون متراصون كأسنان المشط يغلقون كل مداخل الميدان بأجسادهم، ومن خلفهم سيارات مدرّعة.سألت من بجانبي: "أنحرض الناس على التظاهر واختراق الميدان أم سيخذلوننا؟" لو فشل الحراك، نحن من سيُلقى بنا في المعتقل مجددًا. نظرنا إلى الجمع الغفير وبدأنا...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut