Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

دونالد ترامب وقد أنصف العرب


دونالد ترامب وقد أنصف العرب

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصل للمشاركة في حفل شواء لمناسبة نهاية الصيف مع أعضاء جمهوريين في حديقة الورود في البيت الأبيض في واشنطن، في 2 سبتمبر/أيلول 2026. Photo : Brendan Smialowski/AFP

حازم صاغية أحد أبرز أعلام الصحافة العربية. عمل في صحيفة «السفير»، ثم في «الحياة»، قبل أن ينضمّ إلى «الشرق الأوسط» عام 2019. ينظر إليه على أنه أحد أكثر الاصوات النقدية تأثيرًا في السجال الفكري العربي المعاصر. وتتناول مؤلفاته ومقالاته بصورة أساسية قضايا السياسة والثقافة، وتتميّز بنقدها للفكر القومي والسلطوية والإسلام السياسي.

يحلل حازم صاغية هذا الأسبوع ثقافة الكذب التي تقوم عليها سياسة الرئيس دونالد ترامب في الولايات المتحدة.


كنت، ولا أزال، واحداً من كثيرين يكرهون التعميم الذي يسلك عندنا أحد اتّجاهين: إمّا أنّ العرب « خير أمّة أُخرجت للناس »، وإمّا أنّهم أمّةٌ « ضحكتْ من جهلها الأمم ».

صحيح أنّ هناك تيّاراً فكريّاً قد يسود ثقافةً ما في حقبة بعينها. وهناك، في كلّ ثقافة، تراكمٌ مُتحقّق يترك تأثيراته على نتاجاتها اللاحقة. لكنّ هذا لا يكفي لإصدار حكم قاطع على جماعة برمّتها، خصوصاً عند تطبيقه على الأزمنة والأمكنة كلّها.

ففي النهاية تنتمي الطريقة هذه إلى أيديولوجيا قديمة يسمّيها البعض ثقافة العقليّات: هناك عقليّات شرقيّة وغربيّة وإسلاميّة ويهوديّة ومسيحيّة وأفريقيّة...، وهذه العقليّات لا تتأثّر بالتحوّلات، لأنّها جوهرٌ لا يغيّره اقتصاد أو احتكاك بالآخر أو نمط تعليم... إنّها تبقى هكذا إلى أبد الآبدين.

وثقافة العقليّات طوّرها في العصر الحديث مفكّرون ومؤرّخون كبار كغوستاف لوبون وأوزفالد شبنغلر وأرنولد توينبي وسواهم. أمّا عربيّاً، فعمّم تلامذةُ هذه المدرسة نظريّات بعضُها مفرط في المديح وبعضها مفرط في الهجاء. فالعرب، وفق إحدى تلك النظريّات السلبيّة، ينكرون هزائمهم ويجمّلون أحوالهم المزرية. وقد وجدتْ الأحكام هذه، التي صارت شعبيّة عند العرب أنفسهم، تجسيدات فعليّة تؤكّدها، كالمذيع المصريّ أحمد سعيد وحكّام سوريّة الذين قالوا إنّهم انتصروا في 1967 لأنّ نظامهم لم يسقط، ووزير إعلام صدّام حسين، محمّد سعيد الصحّاف، وصولاً إلى « حزب الله ».

لماذا هذه المقدّمة؟ بسبب الرئيس الذي هو برهان حيٌّ على أنّ العرب لا يحتكرون الآفات المنسوبة حصراً إليهم. وهذا علماً أنّ دونالد ترامب ليس حالة ناشزة، إذ انتخبته مرّتين أعظم ديمقراطيّات العالم وأقواها.

وبعد حكّ الذاكرة واستشارة الأرشيف والـ « تشات جي بي تي » بحثاً عن الأكاذيب الكبرى، لا كلّ الأكاذيب التي لا تُحصى، يطالعنا التالي:

لقد قال ترامب إنّ انتخابات 2020 زُوّرت وسُرقت منه، ضدّاً على شهادات المحاكم وسلطات أمن الانتخابات الفيدراليّة.

وقال إنّه دفع بعشرة آلاف جنديّ لحماية الكابيتول، لكنّ نانسي بيلوسي أنكرت زعمه.

وقال إنّ المهاجرين غير الشرعيّين ترسلهم دولهم إلى أميركا بعد إخراجهم « من السجون ومؤسّسات الأمراض العقليّة »، وإنّ « سجون كلّ الدول تقريباً » يُصدَّر نزلاؤها إلى بلاده.

وقال، في مبالغة جَهولة، إنّ « الأجانب » في أميركا هم الذين يدفعون التعريفات الجمركيّة. ويعرف التلميذ الابتدائيّ أنّ المستهلك الأميركيّ هو الذي يدفعها بمجرّد دخول السلع أرضَه.

وقال إنّه رأى بعينيه آلاف المسلمين في نيوجيرسي يحتفلون بضربة 11/9، وهو ما لم يحصل.

وقال إنّ إعصار دوريان سيضرب ألاباما. ومع أنّ التوقّعات الرسميّة لم تُشر إلى ذلك، علّق في البيت الأبيض خريطة لمسار الإعصار أدرج ضِمنَه ألاباما.

ومع حرب إيران تألّقت الأكاذيب، وصار ترامب مثل بارون مونخهاوزن- تلك الشخصيّة الأسطوريّة في أدب القرن الثامن عشر الألمانيّ التي تُنسب إليها أقوال لا يهضمها عقل فيل.

وترامب قال غير مرّة إنّه « أباد » البرنامج النوويّ الإيرانيّ، وجاءت التقييمات الاستخباريّة تكذّبه وتؤكّد أنّ الكثير من اليورانيوم المخصّب نُقل قبل الضربات العسكريّة، وكان قد سبق له أن نفى عمليّة النقل.

وقال مراراً إنّ الحرب حُسمت وإيران باتت عاجزة عن القتال، وتبيّن أنّها تستطيع المضيّ في إطلاق الصواريخ وتعطيل المِلاحة الدوليّة. ولطالما قال إنّه سيهزم إيران ليضيف، بعد كلمتين، أنّها هُزمت شرّ هزيمة.

وقال إنّ بلاده تسيطر على مضيق هرمز، وتبيّنَ أنّ الممرّ المِلاحيّ الحيويّ مغلق. فقد يكون صحيحاً أنّ سلطة إيران على هرمز تراجعت قليلاً بسبب الحصار البحريّ عليها وعمليّات إزالة الألغام، لكنّ السيطرة الأميركيّة على المضيق شيء آخر.

وتنتمي تلك الأكاذيب اليوميّة إلى نمط محدّد السمات. فكلّما فضحَ الواقع كذبة ردّ سيّد البيت الأبيض بكذبة أكبر، فكأنّه يصعّد في الكذب بموازاة التصعيد الحربيّ. أمّا الدقّة والتفاصيل فأشياء مُستبعدة تماماً. فهو، على العكس، يحوّل أكاذيبه إلى يقين لا يجوز للإعلاميّين والسياسيّين إنكاره أو مجافاته أو تجاهله. وبما أنّه يحبّ التملّك غير المحدود، فإنّه يعلن تملّك الواقع المُطالَب بالتكيّف مع معلوماته.

وأغلب الظنّ أنّ كذب ترامب جزء من تزوير أكبر. فعبر « التايمز » اللندنيّة، أخبرَنا أنتوني سكتراموتشي، المدير السابق لاتّصالات البيت الأبيض، أنّ الرئيس يستخدم مستحضرات تسميرٍ برتقاليّة اللون فيبدو، من دون ماكياج، كعلبة لحم معلّبة مفتوحة. وهو يدهن وجهه صباحاً بالمستحضَر، وأحياناً يعيد دهنه مساءً، مؤكّداً أنّه « يبدو رائعاً » بعد استخدامه.

لكنّ الكذب، على أنواعه، ليس مهمّاً عند الساسة الشعبويّين إذ المعيار هو العلاقة بالناخبين بما ينجّي الكذّاب من المحاسبة على كذبه، سيّما متى بيعت الأكاذيب للجمهور بوصفها مصدراً لأرباح مضمونة.

هل نتحدّث إذاً عن عروبة ترامب أو عن ترامبيّة العرب؟

لا شكّ أنّ الرجل، دون أن يقصد، أنصفَ العرب. وهذا ما يفتح الباب لمن ينوي تحكيم المنطق كي يلاحظ أنّ المبالغات الكاذبة لا تتعلّق بالعقليّات بقدر ما تتعلّق بأزمنة المِحَن والانتكاسات وتعاظم ضعف الثقة الجماعيّ بالنفس. وهي بالفعل أزمنة طالت كثيراً عند العرب، ويؤمَل أن تكون قصيرةً وأقرب إلى الاستثناء في أميركا.

حازم صاغيّة

صحافي وكاتب

تابعوا مقالات حازم صاغية مرتين شهريًا في «أصوات من الشرق الأوسط»، مساحة الأفكار بثلاث لغات في لوريان لوجور.





حازم صاغية أحد أبرز أعلام الصحافة العربية. عمل في صحيفة «السفير»، ثم في «الحياة»، قبل أن ينضمّ إلى «الشرق الأوسط» عام 2019. ينظر إليه على أنه أحد أكثر الاصوات النقدية تأثيرًا في السجال الفكري العربي المعاصر. وتتناول مؤلفاته ومقالاته بصورة أساسية قضايا السياسة والثقافة، وتتميّز بنقدها للفكر القومي والسلطوية والإسلام السياسي. يحلل حازم صاغية هذا الأسبوع ثقافة الكذب التي تقوم عليها سياسة الرئيس دونالد ترامب في الولايات المتحدة.كنت، ولا أزال، واحداً من كثيرين...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut