Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

جَبَلُ الطُّفُولَة: قَبْلَ « البُؤْرَةِ » بِقَلِيل !



جَبَلُ الطُّفُولَة: قَبْلَ « البُؤْرَةِ » بِقَلِيل !

صورة لقمة جبل عين عينا كما تبدو من قرية تلفيت، التُقطت يوم 13 آب الجاري، وتظهر فيها الخيمة الاستيطانية (لاحظ السهم). عدسة: مرح مسلّم (مقدَّمة من أكرم مسلّم)

أكرم مسلّم روائي فلسطيني من مواليد العام 1971 في قرية تلفيت بمحافظة نابلس، محرر في صحيفة « الأيام » الفلسطينية، حاصل على ماجستير في الدراسات الدولية من جامعة بيرزيت، وبكالوريوس في الأدب العربي من الجامعة نفسها.

صدرت له أربع روايات، منها : « سيرة العقرب الذي يتصبب عرقًا » التي تُرجمت إلى الفرنسية والإيطالية والإنكليزية، و« التبس الأمر على اللقلق » التي ترجمت إلى الفرنسية، وحصل على جائزة فلسطين للإبداع عن رواية « بنت من شاتيلا ».

يستحضر في هذا المقال جبل طفولته كما كان قبل أن يقيم عليه المحتلّ الإسرائيلي «بُؤْرَة» مسلّحة في كانون الثاني 2026، ما قلب حياة السكان رأسًا على عقب.


أجلسُ قبالة الجبل وأتأمله؛ القمة نفسها مثلما خزّنتها ذاكرة الطفولة؛ ملساء متموجة تشبه أعلى رأس تمساح، ثم انبساط طويل تتخلله مصفوفة صخرية عملاقة ترسُم فكّه.

وصلتني أقدم « صورة حياة » للجبل من أحد شيوخ القرية (أبو غسان)، نقلها عن معمّرة اسمها « فطّوم » يقال إنها تجاوزت المائة وعشرة أعوام. قالت له في فتوّته: « كان الجبل وأنا صَبيّة مزروعًا بالعنب؛ عنب قطوفه ضخمة، كنت بالكاد أستطيع حمل قطفين في سلّة على رأسي لأنقلها مع الناقلين إلى القرية ».

لم يذكر أحد عنب الجبل القديم سوى المعمّرة « فطوم ». أنا من جيل القمح، حيث كانت أحواض قمة الجبل السهلية الخصبة تموجُ بسنابله.

تقوم القرية[1]على تلّة صغيرة يسمّونها « الرّويس » [تصغير رأس] امتدت إلى منطقة أعلى اسمها « الرأس »، لكن حتى من هذين المرتفعين تحتاج كي ترى قمة الجبل إلى رفع رأسك بزاوية منفرجة، فهو ربما أعلى جبال وسط الضفة الغربية (950 مترًا عن سطح البحر).

اعتدت أن أصعد إليه طفلًا مع الصاعدين، نسلك طريقه الترابي الضيّق، نسبق الشمس بساعة أو ساعتين؛ عشرات العائلات، مشيًا أو على ظهور الدواب، نزرع ونحصد وننقل الزرع.

أحدّق في قمة الجبل الآن من بيتي الذي بنيته عند قدميه، أجلس على صخرة الخامسة والخمسين من العمر، وأتذكر طفولتي هناك، وبخاصة دهشتي من النبع الذي منح الجبل اسمه (جبل عين عينا)، وأهدى القرية ماءه عبر أنبوب معدني يجاور الطريق الترابي. كنّا، نحن الأطفال، نضع وجوهنا على الأنبوب البارد في أيام الصيف كي نبترد، ونصغي لوشوشة الماء الذاهب لسقاية الناس في الأسفل.

أدهشتنا إلى جانب النبع حُفر صخرية متفاوتة السعة والعمق قرب النبع. قال لنا الكبار إنها معاصر عنب لصناعة النبيذ؛ صناعة برع فيها أجدادنا الكنعانيون. هذا دليل إضافي على أن رواية فطوم ليست « كذبةَ عجوز مات مجايلوها » مثلما يقول المثل عندنا.

مرّة كافأتنا أرض الجبل على نحو غير مألوف؛ ستنتبه أختي الصغيرة « دلال » أثناء حصادنا القمح إلى عملة ذهبية عالقة في جذر شجيرة قمح. تلقفناها وتهجيّنا ما عليها من حروف عربية: « عَز نَصرُه ضُرب في القسطنطينية ». سنحاول العثور على المزيد قبل أن يفسر أبونا الأمر: « ليست جزءًا من كنز، لا تدفن الكنوز في السهل، هذه ليرة ذهبية تركية وقعت في الغالب من قلادة إحدى الحصّادات، دُفنت ثم أعادتها الحِراثة إلى السطح ».

ذات يوم صادف آخر أيام أحد مواسم الحصاد، وقف أبي أثناء مغادرتنا الجبل عند أعلى الطريق المنحدِر، استدار وقال بعربية فصحى: « وداعًا يا أيتها الأرض، وداعًا لا رجوع بعد ». لكنه عاد في السنة التالية، والتي بعدها وبعدها، كان ينسى المشقة، ويشدّه الحنين إلى أعلى مرّة تلو أخرى، فيشدّنا معه.

قبل نحو عشرين عامًا، أعاد « أبو يوسف » ومبادرون آخرون زراعة العنب إلى الجبل، كأنهم يجدّدون مشهد « فطوم » القديم. نجحت المبادرة تجاريًا، وغطت احتياجات القرية من « ورق الدوالي »؛ واحدة من أكثر الأكلات شعبية في القرى. لزوجتي « شروق » مساحة دونم زُرعت ضمن مبادرة إحياء الجبل ذاتها، مساحة توفّر مؤونة أسرتنا السنوية من « الورق ».

في منتصف كانون الثاني من العام الحالي وصلت « البؤرة الرعوية » المسلحة إلى الجبل؛ بدأ الأمر بخيمة بذيئة واحدة، اعتدت بالضرب المبرح على « أبو يوسف » (70 عامًا) وطردته، واستولت على غرفة بناها على أطراف كرمه، وحوّلت الكرم إلى مرعى، استولت على بيت بناه « أبو رامي » في أعلى القمة وسط أرضه، قصّت ماسورة الماء المنحدرة إلى القرية، حوّلت النبع في الأعلى لسقاية أغنام سرقتها من تجمعات بدوية فلسطينية تم تطهيرها عرقيًا، وبنت قرب النبع بركة سباحة كي تجلب « المتنزهين ». ثم مُنع الوصول إلى المنطقة كلّها بذريعة أمن الخيمة، وتأمين الطرق لها. في المحصلة أعادت الخيمة المسلحة هندسة الحيّز، وفرضت نفسها على الذاكرة الأصلانية.

تجمع عدد من المزارعين في صبيحة يوم الجمعة 13/2/2026، استقلوا الجرارات الزراعية واندفعوا نحو الجبل لحراثة أراضيهم مهما بلغ الثمن، اعترضهم المستوطنون المسلحون فاشتبكوا معهم بأيديهم العارية، حضر جيش الاحتلال لحماية المستوطنين، وكانت الحصيلة إصابة عدد من الشبان، منهم « عريب » (20 عامًا) الذي لا يزال يستكمل العلاج الطبيعي من إصابة معقّدة في الكتف.

كلّ الأراضي المسروقة في الجبل ملكية خاصة، وتقع في المناطق المصنفة « ب« وفق أوسلو (خاضعة إداريًا للسلطة الفلسطينية). فهي لا تخضع لأيٍّ من معايير المصادرة الكولونيالية الدارجة في فلسطين منذ النكبة.

في موسم الدوالي الحالي، اشترينا مؤونتنا من كروم الآخرين. كانت الوجبة الأولى مريرة، أكلنا سريعًا وحافظنا على صمتٍ تواطأنا عليه جميعًا، كان يمكن لأي تعليق على الطعم أو الجودة أن يفجر رغبتنا في البكاء: فهذا ليس ورق دوالينا المسروقة، ولا هو يشبهه. لقد وُضعت اليد على الكرم وخسرنا ثمره. ثم إن ذاكرة المتحلقين على الوجبة مليئة بمشاهد جبل لم ينقطعوا عن زيارته، لقد كانوا هناك قبل الخيمة بقليل.

أُطل على الجبل الآن من فيديوهات المستوطنين على مواقع التواصل، وأصغي إليهم يتغزلون بجمالياته، فأتشبث بمشهد « فطوم » الصبية وهي تحمل العناقيد في سلّتها. أعود لـ « سجل النفوس العثماني »[2] وأبحث عنها. وجدت اثنتين تحملان الاسم نفسه، من مواليد العام 1850. لا أعرف ولن أعرف أيهما فطوم حاملة السلال، لكنها بالتأكيد إحدى الاثنتين. أقلّب الصفحات فأرى اسم جدّ جدّ أبي (عبد الحميد عبد الحليم مصطفى مسلّم) من مواليد القرية العام 1835، أتصفح الأسماء والتواريخ وأنظر إلى البيوت، فأفهم الكثير عن العلاقة بينها، وبالتالي عن النسيج الاجتماعي المعماري المتراكم طبقاتٍ فوق طبقات، وأجيالًا تلو أجيال، قبالة خيمة[3] تافهة، جاءت لمحو هذا كلّه.

يقول سجل النفوس الموقّع بنهاية العام 1911 إن القرية تألفت من 66 منزلًا حتى ذلك العام، سكنها 606 أشخاص، فقدت القرية الكثيرين في الأوبئة والحروب، لكنها استمرت وكبرت على الرغم من ذلك لتبلغ اليوم 4 آلاف نسمة، كبرت لكنها فقدت حيزها مع النمط الاستيطاني الجديد، فقدت احتياطي أراضيها وفضاء تمددها ومصادر رزقها وتراكم أملاكها مثل قرى كثيرة جدًا في الضفة.

لم تعد الأرض وحدها على المحك، بل جسد الفلسطيني العاري نفسه بات مهددًا. كنت جرّبت مرارًا تنكيل الجنود، لكن لم يصدف أن التقيت وجهًا لوجه مع « الصنف » المُطوَّر من المستوطنين سوى منذ فترة وجيزة.

كنت عائدًا من رام الله إلى القرية لحضور جنازة شاب من العائلة، وجدت نفسي على إشارة ضوئية، أضاءت اللون الأحمر، أمامي سيارات مستوطنين، وعلى الجزيرة إلى يساري نحو عشرة مستوطنين؛ كلهم أطفال، لكنهم أطفال مشبعون بالكراهية على نحو غريب، قبالتهم مستوطن أكبر يده على الزناد، هجموا على السيارة وأخذوا يضربون عليها بأيديهم، ويصرخون: « روح من هون ».

تماسكت، وحاولت طمأنة بناتي الصغيرات. أنا في كمين حقيقي يختزل الواقع كلّه. بل أحسست أنني في قفص. أي تصدّ مشروع للاعتداء سيحوله المستوطن المسلح إلى مجزرة أسرية سيتبعها تلفيق تهمة جاهزة تغلق الملف، ولا أنا أستطيع الابتعاد، فالإضاءة حمراء، وأمامي سيارتان بنمر صفراء ! أنت عارٍ إذًا تمامًا، بلا أي حماية، فيما يحمي جيش الاحتلال « حالة اللاقانون » التي تعني منح القتلة فسحة للقتل الآمن، فيما يريد العالم الكلب إعادة هيكلة السلطة وتغيير المناهج وتقليم أظافر العزّل، لتكييف الواقع الفلسطيني مع رغبات ميليشيات لا يمكن إشباعها.

قطعتُ الإشارة الضوئية فور إضاءة دائرتها الخضراء، ونجونا في ما يشبه المعجزة. في القرية انتظرنا طويلًا وصول جثمان مجدي مسلم (23 عامًا)، فالجثمان أيضًا أخّرته إجراءات الاحتلال البيروقراطية؛ إذ قضى الشاب في حادث عمل جنوب يافا. دفناه في الليل، كانت جنازة حاشدة قلّما شهدت مثلها القرية من قبل. حمله الشبان وهم يهتفون بغضب شديد. مع أن الوفاة نجمت عن حادث عمل، لكن الجميع يعرف السياق من أولّه؛ امتص الاحتلال قوتنا العاملة بعد أن سرق مواردنا وهندس الاقتصاد ليكون ملحقًا باقتصاده، يسرق أموال ضرائبنا ويغلق معابرنا والآن يلاحق الاقتصادات الفردية الصغيرة في القرى والمناطق المهمّشة. كان الشبان يهتفون بأعلى صوتهم. أرادوا لهدير الهتاف أن يصل الخيمة في أعلى الجبل، هتاف يقول: نحن هنا، باقون، وغضبنا يكبر ويكبر، فمن عادة الشعور بالمهانة أن يتحول -عند من يحترم إنسانيته- إلى غضب جارف لا يتوقف عند الشارات الضوئية وإن كانت حمراء.

أكرم مسلّم

روائي وصحفي فلسطيني


[1] قرية تلفيت بمحافظة نابلس.

[2] وثيقة رسمية أصدرتها الدولة العثمانية لتوثيق الأحوال المدنية والسكانية لرعاياها في أواخر العهد العثماني.

[3] فرّخت الخيمة خيامًا على الجبل قبالة قريتي جالود وقصرة المجاورتين، وتطور الأمر أثناء إعداد هذه المادة إلى حصار بيوت وطرد سكانها، مما أسفر عن تفاعلات إعلامية وسياسية واسعة.


أكرم مسلّم روائي فلسطيني من مواليد العام 1971 في قرية تلفيت بمحافظة نابلس، محرر في صحيفة « الأيام » الفلسطينية، حاصل على ماجستير في الدراسات الدولية من جامعة بيرزيت، وبكالوريوس في الأدب العربي من الجامعة نفسها.صدرت له أربع روايات، منها : « سيرة العقرب الذي يتصبب عرقًا » التي تُرجمت إلى الفرنسية والإيطالية والإنكليزية، و« التبس الأمر على اللقلق » التي ترجمت إلى الفرنسية، وحصل على جائزة فلسطين للإبداع عن رواية « بنت من شاتيلا ».يستحضر في هذا المقال جبل طفولته كما...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut