مواطنون يحملون... أعلام حزب الله خلال إحياء ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، في الضاحية الجنوبية لبيروت، في 25 أيار/مايو 2026. صورة Raghed Waked/Reuters
يتحدّث الكاتب والناشط السياسي محمد بركات عن حدود المقاربة العسكرية البحتة لمسألة حزب الله، مشدّدًا على ضرورة الإسراع في بناء بديل يحمل رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية حقيقية.
يخطئ من يعتقد أنّ مواجهة حزب الله عسكرياً يمكن أن تحقّق التغيير السياسي المطلوب في لبنان. فالحزب ليس مجرّد تنظيم مسلّح يمكن إضعافه بضرب بنيته الأمنية أو العسكرية. بل هو منظومة متشعّبة تمتدّ من السياسة والدين إلى الثقافة والمجتمع، وصولاً إلى الاقتصاد والمال. وأيّ محاولة لاختزال المواجهة في بعدها العسكري لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.
هذا ليس انطباعاً، بل خلاصة بحثية موثّقة. ففي دراسة لمؤسسة « راند » المرجعية « كيف تنتهي الجماعات الإرهابية » ، والتي حلّلت 648 تنظيماً كانت ناشطة بين العامين 1968 و2006، تبيّن أن القوة العسكرية نادراً ما كانت السبب الرئيس لنهاية هذه التنظيمات. إذ انتهى 43% منها بالاندماج في العملية السياسية، و40% بفعل العمل الأمني والاستخباري، فيما لم تنهِ القوة العسكرية سوى 7% من الحالات.
قصّ الشجرة... وترك جذورها
وجدت الدراسة أنّ القضاء على الجماعات ذات الدوافع الدينية يستغرق وقتاً أطول مقارنة بالجماعات الأخرى، وبعبارة الباحثين أنفسهم: « لا حلّ في ساحة المعركة للإرهاب ». لذلك فإنّ النظر إلى حزب الله كقوة عسكرية فحسب يشبه قصّ أغصان شجرة وترك جذورها في الأرض.
والجذور هنا عميقة فعلاً. فالحزب لم يقدّم نفسه يوماً كتنظيم أمني فقط، بل كمشروع متكامل، أو ما سمّاه باحثون كثر بـ « مجتمع المقاومة ». والأرقام تكشف حجم هذه البنية. إذ تقدّر دراسة صادرة عن جامعة العمليات الخاصة الأميركية (JSOU) أنّ نحو نصف ميزانية الحزب مخصّص للقطاعات الاجتماعية، من الصحّة وتعويضات قدامى المحاربين، إلى التعليم والإعمار، وصولاً إلى كشافة الإمام المهدي.
وبحسب تقرير لـ « مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية » في العام 2006، كان الحزب يدير ما لا يقلّ عن 4 مستشفيات و12 عيادة و12 مدرسة ومركزين زراعيين، إضافة إلى برنامج مساعدات اجتماعية واسع تقدّر قيمته بمئات ملايين الدولارات سنوياً[5]، وتاليا، هذه ليست « أذرعاً » ثانوية، بل هي أعضاء الجسد نفسه.
مليارات الدولارات سنوياَ
لا يقوم هذا الجسد على التمويل الذاتي. فبحسب وزارة الخارجية الأميركية في العام 2023، تُقدّم إيران للحزب نحو 700 مليون دولار سنوياً، أي ما يقارب 70% من إجمالي إيراداته، بعدما كان الدعم لا يتجاوز 70 إلى 100 مليون دولار سنوياً في التسعينيات وبدايات الألفية الثالثة. ناهيك عن كلفة الأنفاق، والصواريخ والأجهزة العسكرية، وهي مليارات الدولارات التي يتمّ تدويرها داخل اقتصاد البيئة الشيعية الموالية للحزب.
هذا الارتباط المالي العضوي بطهران هو ما يؤكد أن البعد العقائدي العابر للحدود، أي ولاية الفقيه، ليس تفصيلاً نظرياً بل بنية تمويل وشرعية في آن.
أضِف إلى كلّ هذا، أموال التهريب على المعابر اللبنانية، الشرعية وغير الشرعية، التي كان يسيطر عليها، وما زال يسيطر على بعضها، عدا عن قدراته داخل « الدولة العميقة »، أي أجهزة الدولة. وما تنتجه من رواتب لعشرات آلاف المحازبين، من « البقرة الحلوب »، أي خزينة الدولة اللبنانية...
إنّه الاقتصاد... أوّلاً
وقد خلصت الباحثة لينا الخطيب في دراستها لمعهد « تشاتام هاوس » في العام 2021، إلى أنّ الحزب استخدم نفوذه داخل مؤسسات الدولة نفسها، ومنها وزارة الشؤون الاجتماعية، لتعويض فجوات تمويله وتوجيه موارد الدولة نحو بيئته.
تحوّلت مؤسسات الحزب إلى نظام مالي موازٍ كامل: فجمعية « القرض الحسن »، مصرفه الفعلي العامل خارج النظام المالي الرسميّ المنظّم، تقدّم قروضاً وخدمات لنحو 300 ألف عميل. وفي ظل الانهيار خلال السنوات السبع الأخيرة، ظلّ منتسبو الحزب يتلقّون خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية فقدها سائر الشيعة مع غياب الدولة، ما جعل الارتباط به مسألة معيشية، لا أيديولوجية لدى آلاف العائلات.
لذلك يحتاج أي بديل إلى رؤية اقتصادية فعلية لفك الارتباط المالي التدريجي: فرص عمل، ودعم المبادرات المحلية، وشبكات تنمية مستقلة عن البنية الحزبية... وهنا يُطرح سؤال بديهيّ: كيف يمكن لقلّة قليلة من المعارضين داخل الطائفة الشيعية أن تواجه سياسياً كلّ هذا النفوذ المالي والأمني والعسكري؟
المواجهة الثقافية والإعلامية
وإذا كان الهدف فعلاً بناء دولة قادرة واستعادة القرار اللبناني، فالمطلوب مقاربة أعمق، تبدأ من الجبهة الثقافية والإعلامية: خطاب مهني موجّه إلى الرأي العام الشيعي تحديداً، لا يقوم على التخوين أو شيطنة البيئة المناصرة للحزب، بل على تفكيك الروايات وتقديم بدائل مقنعة.
الأرقام تؤكد أنّ هذه البيئة ليست كتلة صمّاء: فاستطلاع معهد واشنطن أواخر 2020، أي بعد ثورة 17 تشرين في نهاية 2019، رصد أنّ نسبة الشيعة الذين يحملون رأياً « إيجابياً جداً » بالحزب تراجعت نحو عشرين نقطة عمّا كانت عليه أواخر العام 2017. أي بعد الانهيار المالي... وقد عبّر 79% من الشيعة عن نظرة إيجابية تجاه احتجاجات مكافحة الفساد في العام 2019 ».
لكن في المقابل، أظهر « الباروميتر العربي » في العام 2024 أن نحو 85% من الشيعة ما زالوا يثقون بالحزب، مقابل أقل من 10% لدى السنّة والدروز والمسيحيين. هذان الرقمان معاً يلخّصان المعضلة: ولاء قابل للاهتزاز عند توافر بديل، وتماسك دفاعي عند غيابه.
مشروع حوزوي جديد
إلى جانب المواجهة المالية والاقتصادية، لا بدّ من التفكير في مشروع ديني وفكري جادّ، أو ما يمكن تسميته مشروعا حوزويا بديلا، يعيد فتح النقاش حول التشيّع ودوره في الحياة العامة. فولاية الفقيه لم تُطرح كخيار سياسي فحسب، بل كإطار عقائدي يمنح الشرعية للمسار العسكري والسياسي، ومعها مليارات الدولارات والتغلغل في إدارات الدولة وتسخيرها لمصلحة مشروع الحزب والموالين له ومن يتزلّفون له من الطوائف والأحزاب الأخرى، من طوائف وعقائد أخرى.
لا بدّ هنا من إعادة الاعتبار لتيارات فقهية داخل التشيّع تؤمن باستقلال الدولة الوطنية وبالتعددية وبانتماء الشيعة لأوطانهم (الشيخ محمد مهدي شمس الدين)، على غرار مدرسة النجف التقليدية المتحفّظة على تسييس المرجعية.
وقد خلصت دراسة استطلاع للرأي في العام 2026 أجرتها « الشركة الدولية للمعلومات » ونشرت جريدة « النهار » اللبنانية أجزاء منها، إلى أن « 34% من الشيعة باتوا يؤيّدون اتفاقاً لبنانياً – إسرائيلياً »[12].
وكشف استطلاع للرأي العام أجرته شركة « ستاتيستيكس ليبانون » في شهر نيسان من العام الجاري بين اللبنانيين، أنّ « نسبة المؤيدين لاتفاق سلام مع إسرائيل ارتفعت من 25% إلى نحو 49%، كذلك ارتفعت نسبة المؤيدين للتطبيع من 13.2% إلى أكثر من 30% ».
أين المشروع السياسي البديل؟
كذلك، هناك حاجة إلى مشروع اجتماعي يعيد دمج الشيعة في المجال اللبناني الأوسع. فسنوات الاستقطاب جعلت كثيرين يشعرون أنّهم مستهدفون كجماعة لا كخيار سياسي. ومن دون كسر هذا الإحساس سيبقى الالتفاف حول الحزب، ولو على مضض، خياراً دفاعياً. المطلوب خطاب يطمئن، لا خطاب يعزل.
أما سياسياً، فالتحدي الأكبر هو غياب إطار تنظيمي جدي خارج ثنائية حزب الله وحركة أمل، قادر على العمل الطويل النفس وبناء شبكات محلية وإنتاج قيادات جديدة. فالمجتمعات لا تتغير بالشعارات، بل بالتنظيم والاستمرارية.
وكذلك لا بدّ من إنشاء وتطوير وسائل إعلام شيعية بديلة، والتشبيك مع وسائل الإعلام القوية، لتقديم كلّ هذه المشاريع والإضاءة عليها. لا باللغة « المسيحية » أو « السنيّة » التي تستعدي الشيعة في الغالب وتشدّهم أكثر نحو خطاب الحزب، حيث يجدون « الحماية » المعنوية في ظلّ « صراع الهويّات ».
أما الإصرار على أنّ المعركة عسكرية فقط فهو يعني عملياً القبول بدوام الأزمة. فالأرقام أعلاه تقول بوضوح: بنية تنفق نصف ميزانيتها على المجتمع، وتموَّل بسبعمئة مليون دولار سنوياً، وتحتفظ بثقة 85% من بيئتها، لا تسقط بالنار وحدها. السؤال الحقيقي ليس كيف يمكن إضعاف الحزب عسكرياً، بل كيف يُبنى بديل سياسي – اجتماعي – ثقافي - ديني – اقتصادي، يجعل الحاجة إليه تتراجع داخل بيئته نفسها. عندها فقط تصبح أيّ مواجهة ذات معنى. لأنّ هزيمة المشاريع الكبرى لا تتحقّق بالقوّة فقط، بل ببناء مشروع آخر أكثر إقناعاً وقدرة على منح الناس أملاً مختلفاً.
محمد بركات
كاتب وناشط سياسي، وطالب دكتوراه في الإعلام


Négociations avec l'Iran: l'émissaire américain Steve Witkoff en route pour la Suisse