Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

المدينة المغلقة

في مقالٍ في «لوريان-لوجور»، تعود الروائية والشاعرة والناشطة الاجتماعية الفلسطينية نعمة حسن إلى شغفها بالكتابة، المتولّد من تمرّدها على قمعٍ مزدوج: قمع المحتلّ من جهة، وقمع شريحةٍ من المجتمع من جهة أخرى، تلك التي تَسِمُ النساءَ اللواتي يجرؤن على قول «لا» بالجنون.

المدينة المغلقة

أطفال فلسطينيون، كثيرون منهم من عائلات نازحة، يجلسون على الأرض أثناء حضورهم درساً في مدرسة الأونروا في دير البلح، وسط قطاع غزة، في 6 كانون الأول/ديسمبر 2025، في إطار المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار الهش الذي تمّ التوصل إليه بوساطة أميركية بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة. Photo : BASHAR TALEB/AFP

نعمة حسن روائية وشاعرة وناشطة اجتماعية فلسطينية من رفح في قطاع غزة. منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تنشر قصائدها على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل شبه يومي لتوثيق الحياة اليومية في الحرب. بعد نزوحها مع عائلتها، تكتب من داخل خيمة في ظلّ ظروف قاسية فرضها المنفى الداخلي. وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، فازت بجائزة سميرة الخليل التي تكرّم النساء المنخرطات في الدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية في المناطق العربية والمتوسطية. تم ترجمة كتاباتها لعدة لغات وصدر لها عدة كتب مترجمة.


علّمتني امرأة أعرفها جيدا طرقاً جديدةً للتعامل مع خوفي :

- للخوف وجوهٌ كثيرة وطرق لن تعرف معناها إلّا إذا تعلمت كيف تتعامل معها : قولي حاضر من تمّ ساكت. لا تصدري صوتاً ولا تعارضي قراراً. هذه هي مهمة المرأة التي خُلقت لها. أن تقول : حاضر فقط.

قبّلت أياديَ لا أعرف أصحابها لمجرّد أنه قيل لي هذا واجب الزوجة المطيعة. يد الزوج المباركة التي يجب أن تُطاع دائما. سنوات طويلة أدّيت الدرس جيدا. لم أقلْ كلمة أكبر من حاضر.

حتى تراكم الكلام داخلي فكانت لحظة الانفجار داخلي …صرخت في لحظة غير متوقعة. فامسكوا ذيل الشيطان داخل صوتي. التمرّد جنون إما أن يقتلك أو يقتلهم.

تركت للشيطان باباً مفتوحاً داخلي وبدأت أكتب عن لحظة الجنون أو التمرّد ضدّ صفعات ( المشايخ )على وجهي لكي يُخرجوا الشياطين من جسدي.

اتهموني بالجنون، قالوا : بها مسّ شيطاني.

المرأة التي تقاتل الخوف والقهر والظلم سيقال عنها مجنونة أو ربّما تمكّن منها الشيطان.

جنونه وتمرّده

ربّما تعطيك الحياة مساحةً للبدء في التعرف على قدراتك من زاوية جديدة.

ولكنها لن تنتظر خوفك أن يتأقلم مع ما حوله ...

حاولت دائما التأقلم مع خوفي ولكنها رهبة الأماكن التي لا تشبهني جعلتني أشعر أن هناك خطأ ما في زاوية ما.

ولكنها رهبة الأماكن التي لا تشبهني، تلك الأماكن التي عشت فيها أكبر كوابيسي وأكثرها رعبا حيث جعلتني أشعر أن هناك خطأ ما في زاوية ما.

عندما أتحدث عن الأماكن لا تحضرني صورة البيت الذي لم أمتلكه يوماً بل الجدران التي هدمتها دبّابات الاحتلال وأنا داخلها.

بيت العائلة الكبيرة التي عشت فيها جزءاً كبيراً من حروبي الاجتماعيّة ...ثم جاء حرب الاحتلال لتكمل ما بدأته معي الحياة من مشاهد تعزّز خوفي وغضبي، لم أعدْ أستطيع التأقلم مع تلك الخرابات التي سمّوها بيتاً...

الزمن يكرّر مأساته معي مرة بعد مرة. بدأت رحلتي مع الكتابة من أبواب المدينة المغلقة التي ترى صوت المرأة وحديثها وايماءاتها مجرّد عورة أو فضيحة يجب أن يُغلق عليها حتى لا تسبّب في انتشار وباء المعرفة لأقرانها.

أنا اعاني من فوبيا الأبواب المغلقة لذلك لم أستطع الاستسلام لخوفي هذا.

خرجت حتى لا أصاب بالجنون أو ربما أصبت به، لذلك بدأت كتابة الشعر والرواية ... حاربت بكل قوة وجنون شياطيني عنف المجتمع الموجه ضدّي كأمرأة يجب أن تبقى مطيعة تعيش في الظل، ترضى بقدرها، بالإهانة والقهر ...أن تغلق على غضبها حتى لا ينفجر.

كتبت الشعر بكل جنونه وتمرّده. في وقتٍ كان محظور اً عليّ حتى أن اخرج من بيتي، ولكني تسرّبت مع القصائد خارج تلك الأبواب وقمت بإصدار كتابي الأوّل باسم مستعار و بعدها بعامين كتابي الثاني والثالث باللغة العربية. حقّقت انتصاري على العالم رغم كلّ الهشاشة والضعف اللذين أشعر بهما داخلي ... ولكني ترجمته كقوّةٍ في الشعر ورواية الواقع.

وصمتي وقشّة نجاتي

توالت الحروب من كلّ الاتجاهات فكانت سلطتي الأكبر التي افرضها لأنتصر هي الكتابة ... أصبحت أحمل لقب ناجية من العنف الاجتماعي فأردت تمرير خطتي للنجاة لنساءٍ أخريات تعشن نفس الحروب الاجتماعية التي خضتها. كوّنت فريقاً من ثلاثين سيّدة في رفح، فريقاً من النساء الناجيات القادرات على مواجهة العالم إذا لزم الأمر للاستمرار في تلك النجاة.

كنّا نقرأ ونكتب ونسمع الموسيقى، نعمل كفريق مسرح، نعلّم المجتمع كيف يكون حرا مبدعا. استمرّت حروبي ضدّ المجتمع وعاداته وتقاليده، ضد خوفي، لأعزّز قدرتي على البقاء والاعتناء بأطفالي السبعة وحدي. لقد تخلّى الرجال عن امرأة مجنونة بالحبّ والحياة والكتابة …اختنقت وحدي ونجوت وحدي.

امرأة مطلّقة في مجتمعٍ يعتبر الطلاق خطيئة، وكيف يمكن أن اكون مطلقةً وكاتبةً في نفس الوقت، هذا ربّما كفر. أكتب عن كلّ ما هو محظور، عن حق المرأة في الحياة، في الخروج، في تفقّد مشاعرها، في التعبير عن احتياجاتها كأنثى، عن رغباتها الجسديّة والنفسيّة. كان ذلك بمثابة انتحار أن أكتب عن ذلك كلّه وسط حروب المجتمع الداخليّة وحروب الاحتلال ضد المدينة : كأن يلتقي عليك جبلان يحاولانسحقك تماما. تخلّى عني الكثير من الأهل والأصدقاء، أصبحت مثل وصمة عار بالنسبة لهم. كيف تجرأت وكتبت عن إحساسي كأنثى لها رغباتها واحتياجاتها؟ الشعر هو الجنون الذي أصبح وصمتي وقشّة نجاتي.

عصا طويلة

ثمّ جاءت الحرب الكبرى، حرب السابع من أكتوبر، وبدأت اسجّل المشاهد بكلّ واقعيّتها. الموت لم يستطع إخافتي أو جعلي أتراجع عن مهمتي في الحياة: الكتابة من أجل النجاة. الخيمة والنزوح، البرد والقصف، الكلاب الضالّة، التحرّشات، الاعتداءات، الهروب من الموت، النجاة، كلها كانت خطوطاً عريضة بدأت بها قصائدي.

أمّ في مواجهة عالم غابة، يطلق الرصاص بكل الاتجاهات، يهدّدك بالموت وقتل أبنائك إذا لم تتوقف عن الكتابة أو النزوح. تصوّر أنّ عليك أن تبقى مشرداً في شوارع المدينة المنكوبة، تكتب المشهد وسط الأشلاء، تطعم صغارك الدقيق الملوث بالطين والدماء.

الشعر يحمل فوق طاقته هنا، بالنسبة لي هو عصا طويلة اهشّ بها الموت كامرأة مجنونة تحمل الكتابة كسلاح وحيد في مساحة حرب واسعة. ويسمعها العالم وسط كلّ طبول الحرب التي تقرع حولها. أظنها معجزة. لقد تُرجمت كتاباتي كأنها صرخة امتدت للبلاد البعيدة. صدرت لي كتبٌ باللغة الفرنسية والايطالية والاسبانية والسويدية والإنجليزية.

كلّ هذا حدث وأنا ما زلت أسكن الخيمة وأكتب الشعر، اصنع مكتبةً في منتصف خيمتي، أقرأ الحكايات للنساء اللواتي يشبهنني في الجنون وحبّ الحياة وأحكي عن نجاتي التي تخرج كلّ صباح من الخيمة ترفع إصبعها الأوسط للعالم البائس وتقول : « ها أنا هنا ».

نعمة حسن





نعمة حسن روائية وشاعرة وناشطة اجتماعية فلسطينية من رفح في قطاع غزة. منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تنشر قصائدها على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل شبه يومي لتوثيق الحياة اليومية في الحرب. بعد نزوحها مع عائلتها، تكتب من داخل خيمة في ظلّ ظروف قاسية فرضها المنفى الداخلي. وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، فازت بجائزة سميرة الخليل التي تكرّم النساء المنخرطات في الدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية في المناطق العربية والمتوسطية. تم ترجمة كتاباتها لعدة لغات وصدر لها عدة كتب...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut