Rechercher
Rechercher
Voix du Moyen-Orient
Voix du Moyen-Orient

Voix du Moyen-Orient - رأي

أسئلة حول إعادة إعمار غزة: لمن تُبنى المدينة؟

في مقالٍ تنشره «لوريان - لو جور»، تناقش بدار سالم تحديات اعادة الإعمار في غزة بوصفها صراعاً على شكل مستقبل القطاع ومعناه السياسي ومصير سكانه.




أسئلة حول إعادة إعمار غزة: لمن تُبنى المدينة؟

أطفالٌ فلسطينيون يحملون الطعام وسط أنقاض مخيم النصيرات للاجئين في وسط قطاع غزة، في 3 آذار/مارس 2025. Photo: AFP/Eyad Baba.

بدار سالم كاتبة ومحرّرة ومترجمة فلسطينية. فازت في عام ٢٠٢٥ جائزة سمير قصير لحرية الصحافة عن مقالها « عن تطبيع الصمود في غزة»، الذي تنتقد فيه سردية الصمود ورمسنة الضحية في الخطاب حول الحرب على غزة.


بعد سبعة أشهر من وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تبقى غزة مشهداً مفتوحاً على خرابٍ غير مسبوق. وبينما يتواصل إحصاء القتلى –تجاوزوا 75 ألفاً– وتتوالى التقارير عن سقوط مئات آخرين منذ وقف إطلاق النار، يشتدّ الصراع على مستقبل المدينة بوصفه امتداداً للحرب بأدوات أخرى، لا توقفاً لها. ولم يعد الحديث عن إعادة الإعمار منفصلاً عن هذا السياق، بل أصبح تحول جزءاً من ساحة الصراع نفسها.

في يناير من العام الجاري، أعلنت إدارة ترامب عن مجلس السلام إلى جانب اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي مجموعة من التكنوقراط الفلسطينيين أوكلت إليها مهمة استعادة الخدمات الأساسية، وتحقيق قدر من الاستقرار، ووضع الأسس اللازمة لعملية إعادة بناء واسعة النطاق، فيما أعربت دول عدة عن استعدادها للمساهمة في تمويل جهود إعادة الإعمار والمشاركة في عمليات البناء، في انتظار تبلور الإطار السياسي والأمني الذي سيحدد تنفيذ هذه المشاريع.

على الورق، يبدو المسار واضحاً، دمار يتبعه إصلاح واعمار، وحرب تعقبها محاولات إعادة البناء، وعالمٌ، بعد أن شاهد غزة تحترق، سيشمّر عن سواعده ويعيد بناء ما التهمته الحرب. تجلى ذلك في أكثر صوره جموحاً في طروحات ورؤى عن "غزة الجديدة": ناطحات سحاب على الواجهة البحرية ومناطق اقتصادية وبنية تحتية حديثة تم تسويقها في واشنطن ودافوس بوصفها مستقبل المدينة. لكن في الواقع، تتآكل هذه الصور أمام واقع أكثر دماراً وقسوة، حيث تفرض الحاجة اليومية شروطها على أي تخيّل ممكن للمستقبل.

على الأرض، تكشف الأرقام حجم الفجوة بين الرؤى والواقع. فوفق تقارير الأمم المتحدة، دُمر حوالي 84 في المئة من المباني في القطاع كلياً وترتفع النسبة في بعض المناطق المكتظة بالسكان مثل مدينة غزة، إلى 92 في المئة، فيما تراجع مسار التنمية البشرية في القطاع بنحو 77 عامًا، وفق التقديرات نفسها. ويقدر حجم الأنقاض بنحو 68 مليون طن فيما قد تستغرق إزالتها وحدها سنوات طويلة، بتكلفة تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، حتى قبل البدء في عملية إعادة البناء الفعلي. والدمار لا يُقاس بالبناء وحده، هناك عائلات مُحيت، وأحياء سويت بالأرض، ومستشفيات ومدارس ومواقع ثقافية دُمّرت بالكامل، فوق واقعٍ كان قبل الحرب مثقلاً أصلاً بما يقارب عقدين من الحصار الإسرائيلي والانهيار الاقتصادي والسلطوية.

بهذا المعنى، لا تعني إعادة الإعمار إعادة بناء مكان فقط، بل هي مواجهة لكل ما تحمّله القطاع وللظروف التي جعلته عرضة للانهيار في المقام الأول. السؤال المحوري إذن ليس مجرد كيفية إعادة البناء، بل يمتد إلى أي غزة يُراد بناؤها، والأهم، "لمن" يعاد بناؤها. هل هي محاولة لإعادة إنتاج الوضع القائم بأدوات جديدة، أم إمكانية لتخيل فضاء مختلف للحياة، تعاد فيها صياغة شروط البقاء نفسها، بحيث لا تقتصر على النجاة، بل تفتح المجال أيضاً للعدالة والفرص؟

من يُسيطر على إعادة الإعمار؟

في سياق ما بعد الحروب، يُظهر التاريخ أن إعادة الإعمار ليست عملية محايدة أبداً، فالتجارب المتعددة في سياقات ما بعد الصراع تشير إلى أنها لا تقتصر على ترميم البنية التحتية وإعادة البناء المادي، بل تشكل فعلاً سياسياً يُعيد تشكيل الشكل العمراني، والعلاقات الاجتماعية، وتوزيع القوة الاقتصادية، وحتى الهوية الجماعية. ما يُعاد بناؤه، ما يُترك للخراب، من يستفيد من تدفق الموارد، كلها عناصر لا تنفصل عن البنى التي تتحكم في التمويل وصنع القرار.

وتقدّم تجارب سابقة مثالاً على هذا التوجه. في سراييفو بعد حرب البوسنة (1992-1995) استثمرت دول مثل تركيا وماليزيا بكثافة في بناء المساجد ومراكز التعليم الديني، فيما اتجه المستثمرون الأجانب إلى مشاريع تجارية ومجمعات مكتبية ذات طابع عالمي، بمعزل عن الطابع النسيج العمراني والتاريخي للمدينة. وعلى الرغم من نجاح المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، في إعادة البنية التحتية بسرعة نسبية، فإن غياب التنسيق الحقيقي وتجاهل التراث الثقافي المدمر، أدى إلى خلق ازدواجية في الموارد وانتشار الفساد.

وفي بيروت بعد الحرب الأهلية (1975-1990)، هيمنت المبادرات الخاصة (وخصوصا شركة "سوليدير" العقارية) على إعمار الوسط التجاري، الذي أعيد تشكيله وفق رؤية عقارية عالمية، لكنها جاءت على حساب الذاكرة الحضرية والمجتمعات المحلية التي أُقصيت أو أُعيد توزيعها خارج المركز. السيناريو نفسه تكرر بشكل أوسع في العراق بعد عام 2003، حيث ترافق صرف مليارات الدولارات تحت عنوان الإعمار مع تفكك مؤسسات الدولة وتوسع الفساد، لتصبح المشاريع التنموية جزءًا من أزمة الحكم نفسها. في كثير من الحالات، لم تُترجم أموال إعادة الإعمار إلى بنية تحتية مستدامة، بل إلى شبكات نفوذ متداخلة أعادت إنتاج الهشاشة السياسية والاجتماعية. تظهر هذه الأمثلة أن إعادة الإعمار لا تتم في فراغ، فمن يتحكم في تدفق التمويل، ومن يحدد الأولويات، ومن تهيمن مصالحه السياسية والاقتصادية، سيؤثر ليس فقط على أفق المدينة المقترح، بل على حياة سكانها وشروط الحياة داخلها أيضًا.

في غزة اليوم يتكرر منطق مشابه وإن في سياق أكثر تعقيداً، فلا تزال غزة محاصرة ومدمرة، فيما تتكرر انتهاكات وقف إطلاق النار، وتشتد القيود الأمنية الإسرائيلية، وتبقى مواقف حماس من نزع سلاحها عاملاً ضاغطاً على أي مسار سياسي ممكن التنفيذ. وفي المقابل، تواجه "اللجنة الوطنية لإدارة غزة التي تتخذ من القاهرة مقرّاً لها، عقبات بنيوية متراكمة من منع دخولها إلى القطاع، إلى نقص التمويل (لم يُصرف سوى جزء ضئيل من مبلغ 17 مليار دولار المُتعهد به) وحتى تشتت المرجعيات السياسية وتضارب النفوذ الإقليمي. هذه العوامل مجتمعة ستُحدد سرعة الإعمار وسترسم حدوده الممكنة مسبقاً، فمن دون وجود دور محلي حقيقي، فإن إعادة الإعمار تخاطر بأن تصبح ساحة أخرى تطغى فيها شروط الجهات المانحة والحسابات الجيوسياسية على احتياجات وأصوات سكان غزة أنفسهم.


جغرافية السلطة

يظهر كتاب نعومي كلاين "عقيدة الصدمة" كيف يمكن للأزمات والحروب أن تفتح المجال أمام نماذج إعادة إعمار سريعة تُوجّه الموارد نحو مصالح القطاع الخاص أو حلفائه، في دورة متكررة تربط بين الحرب والعسكرة والكوارث بوصفها فرصاً لإعادة التشكيل الاقتصادي والسياسي. في مثل هذه الأنظمة، لا تقتصر إعادة الإعمار على إزالة آثار الدمار بل تمتد إلى إعادة رسم "جغرافيا الخراب" نفسها، بما يعكس توازنات القوة والمصالح التجارية، وغالباً على حساب الاحتياجات الفعلية للسكان.

ما تسميه كلاين "الفصل العنصري الكارثي" (Disaster Apartheid) يترجم هذه الترتيبات إلى واقع مُقسم: مناطق خضراء محمية، مزدهرة، ومجهزة بالخدمات الأساسية، مقابل مناطق حمراء أو صفراء، مهمشة، محرومة من الموارد الأساسية، وفي الغالب محكومة بالقوة الأمنية أو العسكرية. هذا الفصل لا يوزع الموارد بشكل غير عادل فقط، بل يعيد إنتاج هيكل السلطة داخل المجال الحضري بشكل مختل ويعمق التهميش والإقصاء ضمن المدينة نفسها.

في غزة اليوم، يتجلى هذا بوضوح من خلال "الخط الأصفر" وهو خط فاصل أقامته إسرائيل بعد وقف إطلاق النار يضع نحو 53-58% من مساحة القطاع (أو يتجاوزها وفقًا للتقييمات الأخيرة) تحت سيطرة عسكرية إسرائيلية أو ضمن قيود وصول مشددة. وفق خطط أمريكية-إسرائيلية مقترحة، قد يتركز الإعمار على "المناطق الخضراء" شرق الخط بما يسمى "المجتمعات الآمنة البديلة" في حين تبقى المناطق الغربية، الواقعة تحت سيطرة حماس، محرومة من إعادة البناء. هذه الترتيبات، إن صَحت، تطرح الكثير من الأسئلة حول منطق توزيع الموارد: هل ستتركز في مناطق ذات أولوية أم ستوزع بشكل عادل؟ هل سيُعاد الإعمار وفق الحاجة وحجم الدمار، أم وفق خرائط أمنية وسياسية؟

قد تكون نظرية الفيلسوف الفرنسي هنري لوفيفر حول إنتاج الفضاء الاجتماعي وثيقة الصلة بهذا النقاش، فهو يُذكرنا بأن الفضاء ليس كيانًا سلبيًا، ولا وعاءً محايداً بل هو نتاج اجتماعي يصاغ من خلال علاقات القوة والسيطرة الاقتصادية والسياسية. في هذا السياق، يصبح إعادة الإعمار أقل ارتباطًا بما يُعاد بناؤه، وأكثر ارتباطًا بكيفية إعادة تنظيم الفضاء نفسه وإعادة توزيع معانيه ووظائفه. في غزة، لا يقتصر الإعمار على إزالة الأنقاض ووضع الأساسات، بل يمتد إلى من يملك حق تعريف شكل المكان، ومن يُدرج في خرائطه ومن يُقصى منها، ومن سيملك تصورا للمستقبل. إنها، في جوهرها، معركة على إنتاج الفضاء بقدر ما هي عملية إعادة بنائه.


لمن يعاد بناء المدينة

لم ينشأ حجم الدمار في غزة من فراغ، بل كان نتيجة تراكم طويل الأمد لسياسات عديدة. الحصار الإسرائيلي الذي دام عقدين من الزمن، والهيمنة العسكرية المستمرة، وسيطرة حماس الاستبدادية على الحياة السياسية والاجتماعية، والانقسام الداخلي الفلسطيني. ومن هنا، تصبح إعادة الإعمار، في أحد أبعادها، اختباراً لقدرة الأطراف المختلفة على الاعتراف بأن ما قبل الحرب ليس نقطة مرجعية محايدة يمكن العودة إليها، بل جزء من بنية الأزمة ذاتها. فصل الإعمار عن سياق إنتاج الدمار لا يؤدي إلا إلى إعادة تدوير شروطه وإعادة إنتاجه، فلا معنى لإصلاح البيت إذا كان السقف سيُهدم مرة أخرى، ولا هدف لإصلاح البناء إذا بقيت الشروط التي تُعيد تدميره موجودة.

تحت الأنقاض يكمن ما هو أكثر بكثير من مجرد الخرسانة والفولاذ، ثمة أسئلة عالقة حول الملكية والذاكرة والفاعلية السياسية والاستمرارية. إزالة الأنقاض ضرورية، لكن ما سيُقام مكانها، سيكشف المعنى الحقيقي لإعادة الإعمار.

غزة بلا شك تحتاج إلى استعادة شكل من أشكال من الحياة الطبيعية بعد سنوات من الحرب والقتل، وهي تحتاج كذلك إلى بناء مستقبل يشبهها ويُنصف سكانها. إعادة الإعمار ليست مجرد تصميم عمراني يُنقل إلى مكان مدمّر، بل هي أيضاً إعادة تعريف للعلاقة بين الناس ومحيطهم، وبين الذاكرة والفضاء، إنها إعادة صياغة لشروط الحياة نفسها، لا لشكل المباني فقط.

لقد شاهد العالم غزة تحترق. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم قد لا يكون ما الذي سيُبنى، بل هل ستكون المدينة التي ستنهض من الرماد ملكاً لمن نجا منها؟

بدار سالم



بدار سالم كاتبة ومحرّرة ومترجمة فلسطينية. فازت في عام ٢٠٢٥ جائزة سمير قصير لحرية الصحافة عن مقالها « عن تطبيع الصمود في غزة»، الذي تنتقد فيه سردية الصمود ورمسنة الضحية في الخطاب حول الحرب على غزة.بعد سبعة أشهر من وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تبقى غزة مشهداً مفتوحاً على خرابٍ غير مسبوق. وبينما يتواصل إحصاء القتلى –تجاوزوا 75 ألفاً– وتتوالى التقارير عن سقوط مئات آخرين منذ وقف إطلاق النار، يشتدّ الصراع على مستقبل المدينة بوصفه امتداداً للحرب بأدوات أخرى، لا توقفاً...
commentaires (0) Commenter

Commentaires (0)

Retour en haut