علمٌ لبنانيّ ملطّخ باللون الأحمر، في 4 آب 2025 في بيروت، خلال الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ العاصمة اللبنانية. Photo Matthieu Karam/L’Orient-Le Jour
حازم صاغية أحد أبرز أعلام الصحافة العربية. عمل في صحيفة «السفير»، ثم في «الحياة»، قبل أن ينضمّ إلى «الشرق الأوسط» عام 2019. ينظر إليه على أنه أحد أكثر الاصوات النقدية تأثيرًا في السجال الفكري العربي المعاصر. وتتناول مؤلفاته ومقالاته بصورة أساسية قضايا السياسة والثقافة، وتتميّز بنقدها للفكر القومي والسلطوية والإسلام السياسي.
في هذا المقال، يوضح الكاتب أنّ الحرب الأهليّة نشرت لغةً عنيفة تعمّق الانقسامات وتحول دون تقدير أصحاب الرأي الآخر.
تروي النكتة أنّ شابّاً متعلّماً ذكر في قريته النائية عبارة « الحرب العالميّة بين الحلفاء والمحور »، فبادره أبوه بالسؤال: « مَن هم المسلمون ومَن هم المسيحيّون في تلك الحرب الأهليّة؟ ». ذاك أنّه نادراً ما يسمع لبنانيّ كلمة « حرب » من دون أن يضيف إليها، ولو في سرّه، كلمات « أهليّة » و« مسلم » و« مسيحيّ ». ولبنان، كما نعلم، دخل منذ 1975 حرباً أهليّة لم يخرج كلّيّاً منها، وصار لتعبير « لبننة » مضمون يتعدّى البلد وسكّانه.
صحيح أنّ المُصرّين على « أنّنا إخوان » أوقعَ بيننا الغرباء، يرفضون القول بحرب أهليّة تجرح نرجسيّتهم. والشيء نفسه يصحّ في المؤمنين بوحدة صخريّة تجمعنا لا يقربها الانقسام (ما خلا الانقسام الطبقيّ عند الماركسيّين). لكنّ الحرب الأهليّة، شئنا أو أبينا، انتقلت، في وعينا، من كونها حدثاً لتصبح نظريّةً تفسّر العالم والتاريخ. وطبيعيٌّ، والحال هذه، أن تغزو اللغةَ بأكثر من صيغة. ومن يستمع إلى بعض ضيوف المحطّات التلفزيونيّة، يلاحظ صلابة المصطلحات الحربيّة المستخدمة. ففضلاً عن أعصاب الضيوف المشدودة، تكثر الكلمات التي تصف ممارسة الاختلاف، كـ « قوّص عليه » و« صوّب عليه » و« قصفَه »، وينكمش استعمال أفعال كـ « عارضَه » و« انتقده » و« خالفه الرأي ». ولأنّ الحروب تستحضر الذكوريّة المقاتلة، يقال في وصف السياسيّ غير الحاسم إنّه « لا يملك خِصيتين »، أو بكلام أقلّ تشنيعاً: « لا يملك رُكَباً ». وعلى وسائل التواصل الاجتماعيّ، تكفي جولة سريعة لجمع عيّنات كلاميّة تتجاوز التهجّم على الخصم لتنبش قبور أهله وسائر من يمتّون بصلة إليه.
وهذه تعابير نجدها في استخدامات سياسيّة تعتمدها لغات وثقافات شعبيّة أخرى، خصوصاً صحافة الـ « تابلويد »، لكنّها عندنا تقيم في المتن العريض، ولا نجد غيرها إلاّ بصعوبة.
وثمّة فارق لافت: فبحسب السوسيولوجيّ الألمانيّ البريطانيّ نوربرت ألياس، بدأت لغة الألعاب الرياضيّة الإنكليزيّة تنطق بمصطلحات حربيّة مع انتهاء الحروب بين الإنكليز واتّجاه حياتهم البرلمانيّة إلى التوطّد. فكأنّ استعمال تلك اللغة في الملاعب جاء تصريفاً لعنف طُرد من السياسة ولم يعد يجد لنفسه مكاناً فيها. أمّا عندنا فيبدو الأمر أشبه بسعي وراء إشباع عُنفيّ سُدّت في وجهه الأمكنة والمجالات كافّة.
وفي لبنان وبلدان عربيّة كثيرة، تلتقي روافد متفاوتة، قديمة وحديثة، لتشكيل هذه الأنهار الملوّثة. فمجتمعاتنا تفتقر أصلاً إلى إجماعات تحتكم إليها، والمُتوافرُ من حياة سياسيّة لا ينقل النزاعات إلى المؤسّسات، ما يُبقي شبح الحرب قائماً. ثمّ إنّنا لسنا مشهورين بحبّ التعدّد، ولا نصدّق أنّ الاختلاف هو الطبيعيّ. وقد نقول العكس مجاملةً، لكنْ ما إن يحلّ زمن حربيّ حتّى نجهر بعدم استساغتنا الآراء الأخرى. ومن المصادر التي ترفد السجاليّة الحربيّة، التي تكشف أحطّ نوايا المُساجل، تقاليد العنف الشفويّة المحلّيّة، والشعر الزجليّ الطافح بـ « الرجولة »، فضلاً عن التراث المكتوب الذي تُعلّمنا إيّاه قصائد الفخر والهجاء. وواضحٌ أيضاً إسهام أدبيّات « التحرّر الوطنيّ » النضاليّة التي استوردت هُجاس الإيديولوجيّات الحديثة بـ « تحطيم الخصم » كتتويج منطقيّ للصراع السياسيّ والايديولوجيّ. فالذي يُنتقَد ينبغي شتمه وتشويه سمعته ورأيه وأصله. هكذا مثلاً أقدم (الرئيس المصري الراحل) جمال عبد الناصر، وهو من أبكر الهجّائين العامّين في تاريخنا الحديث، وفي خطاب علنيّ، على تسمية ملك الأردن الراحل « حسين ابن زين ».
بيد أنّ للمسألة وجهاً آخر. ذاك أنّ قسوة الأوضاع النزاعيّة، كما في لبنان، تنعكس على حياة البشر ومصائرهم وظروفهم المعيشيّة وهجرة أحبابهم، فضلاً عن جرائم كالتي شهدها عاما 2005 و2006. وهذا إنّما يفسّر البخل في تقديم الأعذار للمختلف ممّا يلوح للمتألّم ترفاً أو سذاجة أو تواطؤاً، دع جانباً نسج علاقات اجتماعيّة وشخصيّة معه. فإذا كان هذا المختلف مثقّفاً، وُضع مزدوجان حول الكلمة أو أضيف إليها نعت « المزعوم ».
وكان صديق سودانيّ أخبرني أنّ نُخب بلاده تأثّرت ببعض أفضل التقاليد البريطانيّة، وتمكّن أفرادها المختلفون سياسيّاً من عقد صداقات شخصيّة مع خصوم سياسيّين. إلاّ أنّ عهد الإسلاميّ عمر البشير غيّر هذا: فمع التزايد النوعيّ للتعذيب، وحصول اغتصابات في السجون، لم يعد ممكناً لمعارضٍ أن يصادق شخصاً يوالي نظاماً يرعى أفعالاً كهذه.
لكنْ يبقى أنّ أسوأ نتائج غزو الحرب للّغة، ولما وراء اللغة، إعدامُ القدرة على التمييز داخل الشخص الواحد. فهناك من لا تُعجبنا آراؤه السياسيّة لكنّنا نقرّ له بفضائل أخرى إذا توافرت، كأنْ يكون ذكيّاً أو لطيفاً أو كريماً… وتحضرني هنا علاقة قد تكون متطرّفة في الاتّجاه المعاكس لكنّها جديرة بالتسجيل. فالسياسيّان البريطانيّان إينوخ باول ومايكل فوت كانا خصمين سياسيّين حادّين، أوّلهما لم يتحمّل حزبُ المحافظين تطرّفَه اليمينيّ وحملاته على المهاجرين، وثانيهما مثّل أقصى اليسار في حزب العمّال الذي ضاق به. لكنّ كلاًّ منهما كان، فيما يهاجم آراء الآخر، يمتدح ثقافته وعلاقته باللغة والخطابة.
وإقرارٌ كهذا بوجود أوجه أخرى لمن نختلف معه إنّما يجعله التسييس الشامل (وهو، بالمناسبة، من مزايا التوتاليتاريّة) مستحيلاً. وأعرف أنّ كائناً طوباويّاً صغيراً، لا يزال يقيم داخلي، يحملني على الدفاع عن التمييز. أمّا سبب هذا الإصرار فأملٌ، أعرف أنّه فاشل ولن يتحقّق، في تنظيف الحيّز الثقافيّ من لغة الحرب الأهليّة، بحيث لا يصير، هو أيضاً، حيّزاً حربيّاً.
حازم صاغيّة
صحافي وكاتب
تابعوا مقالات حازم صاغية مرتين شهريًا في «أصوات من الشرق الأوسط»، مساحة الأفكار بثلاث لغات في لوريان لوجور.
Le point à 19 h : des éléments du Hezbollah encerclent brièvement des policiers venus fermer un dépôt de médicaments, le Qatar annonce un projet pour l’électricité au Liban