فلسطينيون يتنقّلون على دراجات هوائية وسيرا على الأقدام في شارع تصطفّ على جانبيه مبانٍ متضرّرة قرب مخيّم الشاطئ للاجئين، غرب مدينة غزة، في 1 يوليو 2026. تصوير Omar Al-Qattaa/AFP
في مقالة رأي تنشرها «لوريان لو جور»، تقدّم الكاتبة والمحرّرة والمترجمة الفلسطينية بدار سالم، الحائزة على جائزة سمير قصير لحرية الصحافة لعام 2025، قراءة نقدية لعجز القيادة الفلسطينية، سواء «حماس» أو السلطة الفلسطينية، عن بلورة رؤية حقيقية لمستقبل الشعب الفلسطيني.
« لم نكن نتوقع. » تقال هذه الجملة بعد كل كارثة تقريباً: بعد كل حرب، بعد كل انهيار سياسي أو اقتصادي. « لم نتوقع حجم الدمار، لم نتخيل أمد الحرب، لم نحسب ردة الفعل، لم نكن نعرف أن الأمور ستصل إلى هنا ». قد تكون هذه العبارات طبيعية حين تصدر من أفراد أمام عالم معقّد وغير قابل للتنبؤ بالكامل، فالمستقبل، في طبيعته، لا يمكن السيطرة عليه بصورة كاملة. لكن حين يتحول « عدم أو سوء التوقع » إلى منطق حكم أو إلى تبرير تتبناه انظمة حكم تمتلك القرار والسلاح والسلطة على حياة الملايين من الناس، يصبح الأمر مختلفاً تماما. لأن السلطة، كما هي ادارة للحاضر هي كذلك ادارة لما لم يحدث بعد. والحكم لا يقاس فقط بقدرته على التعامل مع الوقائع بعد وقوعها، بل أيضاً بقدرته على تخيّل نتائج أفعاله قبل وقوعها. من الأسرة إلى المؤسسة إلى الدولة، هناك مسؤولية أخلاقية وسياسية مرتبطة بالمستقبل نفسه: التفكير فيه، والاستعداد له بالأدوات المتاحة.
صحيح أن قدرة الدول وأنظمة الحكم على التخطيط للمستقبل تختلف حسب ظروفها، وأن جزءا من المستقبل سيبقى دائماً خارج القدرة على التوقّع أو السيطرة، لكن هناك فرق بين العجز عن التنبؤ الدقيق والعجز عن التفكير في المستقبل من الأصل. حتى في أكثر الظروف صعوبة، تبقى أي سلطة مطالبة بتقديم تصور معين للحياة المقبلة، وليس الاكتفاء بإدارة الكارثة بعد وقوعها، أو في حالات بعد المساهمة بالتسبب بها أو إنتاج شروطها. في الحالة الفلسطينية، تبدو هذه الفجوة أكثر قسوة من أي وقت مضى، فغزة اليوم ليست مجرد مكان تعرّض لتدمير وخراب هائلين، بل أيضاً مثال سياسي على انهيار فكرة المستقبل نفسها.
الزمن السياسي
لا جدال في أن إسرائيل تتحمل المسؤولية المباشرة عن الدمار في غزة بحكم واقع الاحتلال، والقوة العسكرية، والبنية القانونية والمادية المستمرة للعنف والسيطرة. لكن الاكتفاء بهذه الحقيقة يترك سؤال المسؤولية السياسية منقوصاً، فالمساءلة لا تشمل فقط من يمتلك القوة الأكبر، بل تشمل أيضاً الفاعلين الفلسطينيين أنفسهم، كل بحسب موقعه وقدرته ومسؤوليته تجاه المجتمع الذي يحكمه أو يدّعي تمثيله. هنا يظهر الفرق بين السياسة بوصفها إدارة للحياة، والسياسة بوصفها إدارة للحظة. فحين تصبح القرارات الكبرى منفصلة عن سؤالي « ماذا سيحدث لاحقاً؟ وما أثر هذا الفعل على شكل حياتهم ومستقبلهم؟ » يتحول المجتمع إلى مجرد « مادة » لإدامة الصراع، وليس حياة يفترض حمايتها.
في هذا السياق، تبدو « حماس » مثالاً واضحاً على أزمة التفكير في المستقبل. الحركة، منذ سنوات، طورت خطاباً قائماً على الصمود والتضحية والتحمّل بوصفها « قيمة » في حد ذاتها، لكن من دون أن يقترن ذلك بتصور سياسي واضح للحياة التي يفترض أن تأتي بعد هذا الصمود، بحيث يصبح استمرار المواجهة « أهم » من شكل المجتمع الذي سينجو منها. وهذا لا يتعلق فقط بقرار السابع من أكتوبر، وجُرميته أو نتائجه الكارثية، بل ببنية سياسية أعمق: تحويل المجتمع إلى كيان تعبوي يعيش داخل زمن الطوارئ بشكل مستمر حيث تؤجل الأسئلة المتعلقة بالحياة المدنية، والاقتصاد والتعليم، والحريات والمستقبل لصالح أولوية المعركة الدائمة. وكما يشير المؤرخ رويل ماير، في مقاله عن إشكالية البُعد السياسي في الحركات الإسلامية فإن هذه الحركات تتعامل مع الواقع بوصفه « حالة تدهور بنيوي مستمر » وعليه لا يُفهم التقدّم/الاستمرارية كعملية سياسية تدريجية تُدار عبر الزمن، بل كعملية هدم يفترض أن تسبق ميلاد نظامها الأيديولوجي المنشود، الحاضر بهذا المعنى هو ساحة الاشتباك الوحيدة ذات المعنى.
المشكلة هنا ليست فقط عسكرية أو أخلاقية بل زمنية أيضاً. لأن الحركات العقائدية، الدينية أو الثورية التي تفقد علاقتها بالمستقبل، لا ترى في الحاضر سوى ساحة للمواجهة، ولا يظهر المستقبل كزمن مدني مفتوح على احتمالات وتسويات وتراكم وبناء، بل كلحظة نهائية كبرى، حيث يصبح الموت/ البطولة/الشهادة أكثر أهمية وحضوراً من الحياة نفسها. وعليه، لا تعود مصلحة المجتمع غاية السياسة بل على العكس، تنظر هذه الحركات إلى أعداد الشهداء والدمار باعتبارهما « ثمنا مستحقا » /تكلفة محتملة أو حتى حتمية تاريخية، لا فشلا سياسيا في حد ذاته.
الاستقرار مقابل المواجهة الدائمة
لكن الأزمة الفلسطينية لا تقتصر على « حماس » وحدها، السلطة الفلسطينية، على رغم اختلاف موقعها السياسي والأيديولوجي، تعاني من شكل آخر من العجز تجاه المستقبل. إذا كانت « حماس » تحكم بمنطق الطوارئ والمواجهة المستمرة، فإن السلطة تحكم بمنطق التأجيل المستمر للمستقبل، ويصبح الحفاظ على الوضع القائم بديلاً عن إنتاج مستقبل سياسي واضح في ظل الظروف السياسية غير المستقرة. ومع ذلك هناك خلاف في معنى الاستمرارية وحدود المسؤولية وقيمة الحياة اليومية نفسها.
السلطة الفلسطينية، على رغم ضعفها البنيوي وعجزها السياسي، تمثّل نتاجاً (قد يكون مشوهاً ومحدود السيادة لكنه يظل نتاجًا) لفكرة الدولة الحديثة: مؤسسات، قوانين، زمن ممتد، ومسؤولية قابلة، ولو شكلياً، للمساءلة. يمكن انتقادها من داخل منطقها نفسه لأن هذا النقد نفسه يفترض أنها تعمل داخل منطق زمني مستمر، أي داخل فكرة أن هناك « غداً » يجب إدارته، لذلك يقاس فشلها بمدى عجزها عن بناء حياة أكثر استقرارا أو حماية المجتمع، أو تحقيق وعودها السياسية.
في المقابل، تحكم « حماس » بمنطق الحركة داخل جسم الدولة لا بمنطق الدولة نفسها، فالأفق الذي تتحرك داخله الحركة ليس أفق الدولة الحديثة، حتى وإن استخدمت بعض أدواتها ومؤسساتها، بل هو أفق عقائدي يرى التاريخ كسلسلة من المواجهات الوجودية، زمن معلّق بين حرب وأخرى، أو بين هدنة وأخرى. لهذا يصبح الزمن السياسي داخل هذه الحركات « زمناً دائرياً » أكثر منه زمنا تاريخياً تراكمياً، حرب، ثم هدنة قصيرة، ثم إعادة تموضع، ثم مواجهة جديدة. ولأن التفكير في المستقبل المدني غائب أو مُغيّب، لا يتشكل شعور فعلي بالمسؤولية تجاه نتائج الأفعال التي تؤثر علي شكل الحياة المقبلة، وهذا الانفصال بين الفعل وعواقبه يمنح هذه الحركات هامشاً واسعاً لاتخاذ قرارات كارثية، من دون الالتزام بتبعاتها الاجتماعية أو التاريخية، إذ عادة ما يتم نقل عبء اليوم التالي إلى أطراف أخرى: الدولة، المجتمع الدولي، المؤسسات الإنسانية، الدول المانحة، أو المجتمع نفسه، وكأن وظيفة الحركة تنتهي عند لحظة الفعل أو المواجهة، بينما تتحول تبعات هذا الفعل (الاعمار، الاستقرار، إعادة إنتاج الحياة اليومية) إلى مسؤولية موزعة على الآخرين.
هذه الفجوة في فهم فكرة المستقبل كمشروع سياسي حقيقي تبقي دورة الدمار وإعادة البناء مستمرة، بينما يبقى السؤال الأساسي « ماذا بعد؟ » مؤجلًا إلى ما بعد المأساة التالية. لهذا تبدو عبارة « لم نكن نتوقع » مخيفة وغير مبررة سياسياً لأنها لا تعني فقط « سوء تقدير » بل غياباً للمسؤولية تجاه المستقبل نفسه، لأن من لا يفكر في المستقبل، لا يجد صعوبة في تدميره، ومن لا يرى الزمن سوى كساحة معركة سيعجز في النهاية عن تخيّل شكل الحياة بعد انتهائها.
بدار سالم

