يقف صبيّ على مرسى يطلّ على شطّ العرب في البصرة، في جنوب العراق. Lucile Wassermann/L'Orient-Le Jour
على كتفي الأيمن، أحمل إرث التأهب ، تلك الحزمة الثقيلة من القلق التي لم أخترها، بل ورثتها جينياً وعاطفياً من سلالة نساء لم يعرفن الركود . وعلى كتفي الأيسر، أحمل ابني، متنقلةً به بين المحافظات العراقية، أحاول جاهدةً ألا يشعر باهتزاز خطواتي أو برجفة الخوف التي تسكن مفاصلي في كل مرة يضطرب فيها العالم من حولنا.
العيش في بيئة غير مستقرة ليس مجرد إقامة عابرة، بل هو اختبار مستمر لمرونة الروح وقدرتها على التآكل والترميم في آن واحد. هو ذاك الصبر المُر على بناء بيت تلو الآخر، ورؤيته وهو يختفي خلف غبار الاضطرابات… نحن جيلٌ لم يولد ليعيش الرفاهية الساكنة، بل ليدبّر أمره ، والفرق بين العيش و« تدبير الأمر » شاسع كالمسافة بين الحلم والكابوس.
سلالة القلق وصدمة الأرحام
لقد ولدت من رحم امرأة عاشت الحرب العراقية-الايرانية و الحصار في التسعينيات بعد حرب الكويت حتى ولدتني وعاصرت معها الاحتلال الامريكي والحرب الاهلية و« داعش » والآن أراقب الصراع بين القوى الكبرى (أمريكا وإيران) وهو يتخذ من سمائي أرضاً لتصفية الحسابات.
لقد اورثتني حال التأهب من دون قصد ، حيث الصدمة عابرة للأجيال والأرحام ، حيث القدمان لا تتوقفان عن الشعور بالركض حيث لا يمكن أن تكون هناك طمأنينة، حيث الجسد في وضعية الاستجابة لأي صوت عالٍ، وتحليل كل خبر سياسي كأنه تهديد شخصي.
الرحيل كمهارة بقاء موروثة
في العوالم القلقة، يصبح الهروب او الرحيل مهارة بقاء لا خياراً. تتعلم كيف تختزل حياتك كلها في حقيبة واحدة، وكيف تودع الأماكن بنظرة سريعة، لأننا ببساطة لا نملك ترف الوداع الطويل . بالنسبة إلينا كنساء، التنقل والنزوح ليس مجرد تغيير للعنوان، بل هو انتزاع للجذور واضطرار إلى إعادة ترتيب الجسد والحضور واللغة في كل بيئة جديدة نُقذف إليها. هذا التنقل المستمر يخلق « غربة داخلية » قاسية ، حيث تمنع نفسك قسرياً من الارتباط بالمكان، خوفاً من لحظة الاقتلاع المقبلة.
عن كسر دائرة (اطفال الحروب)
في بلادنا، لا ننمو بشكل طبيعي كما تنمو الأشجار أو المدن الهادئة، بل ننمو بـ القفز فوق الحواجز. طفولتي كانت سلسلة من الفجوات؛ نكبرُ فجأة حين يشتد القصف، ونشيخُ مبكراً حين نتعلم التمييز بين أنواع القذائف قبل أن نتعلم أسماء الألوان. كان نمونا محكوماً بدائرة الحرب حيث نعتادُ الظلام، ونعتبر الطمأنينة مجرد هدنة قصيرة لالتقاط الأنفاس.
والآن، وأنا أراقب ابني وهو يخطو وسط هذا الضجيج، أجدني أمام المهمة الأصعب: كيف أكسرُ له هذه الدائرة؟ كيف أقنع جسده الصغير ألا يتصلب عند بيت جديد، وألا ينمو بخلايا مبرمجة على « التأهب »؟
إن كسر دائرة النمو في الحرب يعني أن أمنحه ترف الدهشة بدلا من الخوف وأن أجعله ينمو أفقياً في اتجاه اللعب والفضول، لا عمودياً في اتجاه الهرب والاختباء. أحاول أن امتص الصدمات التي بينه وبين الواقع، لأضمن له طفولةً لا تضطر إل النضج قبل الأوان، طفولةً لا تحفظ طريق النزوح أكثر مما تحفظ طريق الحديقة. نحن نربي أطفالنا اليوم لا ليكونوا ناجين فقط، بل ليكونوا بشراً سويين ، بشرا ليسوا مثلنا ، قادرين على النوم ملء جفونهم من دون أن يحلموا بالحقائب الجاهزة عند الباب.
عن مقاومة الحرب بالجمال
كنتُ أعتقد بسذاجة أن زمن الرحيل قد ولى، لكن يبدو أن على جميع النساء أن يختبرن فقدان الطمأنينة ليعرفن قيمتها. وسط زحام الحقيبة وضيق الوقت، لم أجد مكاناً لليأس، لكنني وجدتُ مكاناً للوحة صغيرة؛ لوحة لباب خشبي بلون سمائي.
هذه اللوحة هي البيت الذي أريده حقاً. بابٌ لا يحرسه الخوف، ولونٌ يذكرني أن المدى ما زال يتسع لنا. وضعتُها في حقيبتي كأنني أضع مفتاحاً لمستقبل ابني، ليعرف يوماً ما أن أمه لم تكن تهرب فقط، بل كانت « تصنع » له وطناً محمولاً. فالأمهات قادرات على ابتكار البيوت من العدم، وتلك اللوحة تمنحني الطاقة لصناعة البيت الذي أريد.
احتجاج ضد القبح العالمي
أحملُ لوحتي الصغيرة، وأمضي في هروبٍ جديد تفرضه حربٌ لم أخترها، حربٌ لا تشبهنا لكنها تصرّ على التهام ما تبقى من سكينتنا. هذه الحرب الحالية، التي تنهش أحلامنا كأنها لم تكتفِ بما سرقته من أمهاتنا، تقف الآن سداً بيني وبين الاستقرار.
لكنني، وبرغم كل هذا القبح الذي تفرضه الصواريخ المسيرة في سماء مدينتي، ما زلت أتمسك ببابي السمائي ، فهو احتجاجي الصامت على صخب الرصاص، وهو وعدي لابني بأننا لسنا مجرد أرقام في نشرات الأخبار. قد تنجح الحرب في تهجيري، لكنها لن تنجح في انتزاع قدرتي على الحلم بذلك البيت. سأحمل ابني على كتف، وبيتي السمائي في حقيبتي، وأمشي.. لأن الأمهات هنّ وحدهنّ من يرممن حطام الحروب بقطعٍ صغيرة من الجمال، وهنّ وحدهنّ من يعرفن أن البيت الحقيقي يبدأ ببابٍ نفتحه نحن، لا بوطنٍ تغلقه الحروب في وجوهنا.
أماني الحسن
باحثة وصحفية نسوية عراقية، تهتم بدراسة وتحليل قضايا المرأة من منظور علم الاجتماع السياسي، لتربط بين قضايا النساء والسياقات السياسية والاجتماعية المحيطة بهن ، مع التركيز على تجارب نساء جنوب العراق.



Trump dit qu'un accord avec l'Iran pourrait être signé dès ce week-end en Europe