ينظر أحد سكان إيران من نافذة منزله المتضرر بعد الضربات الإسرائيلية-الأمريكية التي، وفقًا لتقارير وسائل الإعلام المحلية، دمّرت كنيس رفيعنيا والمباني السكنية القريبة في طهران، في 7 أبريل 2026. Photo AFP
لا نعلم حتى الآن مآل الحرب الحالية بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة مقابلة، فمع كتابة هذه السطور توقفت المفاوضات بين أمريكا وإيران في إسلام آباد، من دون تحقيق تقدّم، إلا أن الوفد الأمريكي لم يغادر بأكمله، ولم يقل نائب الرئيس الأمريكي الذي قاد الجولة الأولى إن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود. أيضاً لا يُعرف بعد مصير المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، والمؤكد فقط أن هذه المفاوضات على صلة بالمسار الآخر أيضاً.
لكن عدم وضوح الرؤية إزاء التطورات الميدانية ليس هو السبب في ألا يحضر سؤال الحرب وما بعدها، كما يليق به، في النقاش العام لأبناء المنطقة، بقدر ما هو التسليم بالعجز التام إزاء الأطراف المنخرطة في الحرب ومخططاتها. نستطيع الحديث عن فئتين رئيسيتين؛ الأولى فئة البلدان التي على تماس مباشر بالحرب، وهاجسُ أبنائها الخلاص بأسرع وقت من أخطار القصف والقصف المضاد. والفئة الثانية هي البلدان خارج الخطر المباشر، إلا أن نخبها وأبناءها غير منخرطين في تفكير متحرر من حسابات المعارك.
إذا أخذنا سوريا، كنموذج للفئة الثانية، من الملاحظ وجود ميل لتعميم التفاؤل. فخسارة المحور الإيراني في المنطقة تلبّي آمال سوريين تعرضوا للقتل والإرهاب على أيدي ميليشيات دعمت بشار الأسد بإشراف إيراني، ومنها ميليشيا حزب الله. وفوق المكسب المنتظر سياسياً ثمة آمال في أن تسعى دول الخليج إلى إيجاد بديل لمضيق هرمز، من خلال أنابيبٍ للنفط تأتي من الخليج، لتعبر الأراضي السورية، وصولاً إلى البحر المتوسط.
هذا السيناريو يتضمن انتعاشاً فورياً عبر فرص العمل المتصلة بإنشاء الأنابيب، كما قد تشجّع هذه المشاريع الضخمة دخولَ رساميل أكثر تنوعاً، على قاعدة الثقة الآتية من المشاريع الدولية السابقة. لنا أن نتخيل، وفق ذلك، شبكة إقليمية مترابطة اقتصادياً، لأن شبكة الأنابيب ستقتضي وجود مرافئ ضخمة، والعديد من الأنشطة الاقتصادية والخدمية المرافقة. والانفتاح بين هذه البلدان قد يشجّع الأنشطة العابرة للحدود، ومنها مشاريع ربط الطاقة الكهربائية التي طُرِحت من قبل، ثم وضِعت في الأدراج بسبب الظروف السياسية العاصفة في المنطقة منذ عقد ونصف.
الحفاظ على مستوى من التوتر
لكن يلزم أن نقارن السيناريو المتفائل بالواقع، حيث يهيمن ارتفاع أسعار الطاقة على الحاضر والمستقبل القريب. في لبنان مثلاً قفزت الأسعار خلال شهر بما يزيد عن 30%، وفي سوريا تغيب الإحصائيات المماثلة، إلا أن الليرة سجلت أكبر تراجع مقابل الدولار منذ سقوط الأسد، ومن المعلوم أصلاً أن دمشق تعتمد على الواردات النفطية، وقسم منها على شكل مساعدات.
إذا استثنينا تكاليف الحرب على واشنطن وتل أبيب، فالخسائر المتوقعة على اقتصاديات المنطقة تقدَّر بعد مرور شهر بحوالى 200 مليار دولار. أما تكلفة الحرب على واشنطن فهي تزيد يومياً على مليار دولار، وتفيد الأخبار باتجاه ترامب للضغط على دول الخليج من أجل دفع تكاليف الحرب، وتُفسّر أقواله عن إنهاء الحرب مع بقاء مضيق هرمز مغلقاً بأنها ابتزاز لتلك الدول المتضررة من توقف صادرات النفط.
وإنهاء الحرب مع بقاء النظام الإيراني يعني الإبقاء على مبررات أو ذرائع تجددها مستقبلاً، ما يحافظ على منسوب من التوتر يعيق وضع خطط طويلة الأمد على قاعدة من الاستقرار، أي أن ما سيدفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل لمضيق هرمز سيجعلها أيضاً أسيرة حسابات اللاسلم واللاحرب. وفرضية بقاء النظام تؤدي تلقائياً إلى بقاء تأثيره في الجوار العراقي، وبقاء تأثيره في لبنان أيضاً، حتى إذا تراجع عمّا هو الآن.
بعبارة أخرى، من المرجح ألا تتمخض الحرب عن تغيرات كبرى في الحسابات الإقليمية، أو في طبيعة الأنظمة أو سلوكها. وفضلاً عن التأثير الإيراني في العراق ولبنان، لا يبدو الوضع في سوريا مرشّحاً للاستقرار في الأمد القريب، بخلاف الأردن الذي قد يكون مرشّحاً كممر لأنابيب النفط التي تصب في موانئ تستفيد منها تل أبيب. وهذا ينسحب على مجمل المشاريع البينية في الإقليم، فالنخبة اللبنانية الحاكمة هي نفسها التي كان له دور بارز في انهيار الاقتصاد اللبناني، ممثلاً بانهيار المصارف. والسلطة الجديدة في سوريا لم تقدِّم للخارج نموذجاً يشجّع على دعمها مالياً، ليبقى الدعم الخارجي في الحدود الدنيا، بينما تتكاثر الاتهامات الموجَّهة إليها فيما يخص الفساد والتحكم بمفاصل الاقتصاد السوري على نحو مشابه لسلوك النظام السابق.
ترسّخ النخب في السلطة
وإذا أخذنا مجمل الأوضاع في البلدان المعنية شرق المتوسط، يجوز القول إنها بمجملها تعيش تردياً اقتصادياً غير مسبوق، بينما شعوبها منهكة وغير قادرة على أخذ زمام المبادرة في اتجاه أفضل. إذ كانت هذه الشعوب قد جرّبت الثورة على أوضاعها، وقوبلت بالوحشية والعنف، وفي أحسن الأحوال فشلت بسبب رسوخ النخبة الحاكمة. ومن شأن هذه الاقتصاديات المنهَكة أن تفسح المجال واسعاً للعسكرة، لا للسياسة، وأن تفسح تالياً للقوى التي تريد الاستثمار في العنف لا الاستقرار، سواءً كانت في السلطة أو خارجها، أو كانت قوى محلية أو خارجية.
على نحو تقريبي، إذا انتهت الحرب تماماً خلال أسابيع قليلة، يمكن القول إن أحوال المنطقة ستكون كما كانت عليه يوم السابع والعشرين من فبراير، ينقص منها مئات مليارات الدولارات. ولأن البلدان والطبقات الهشة هي أول وأكثر من يدفع الثمن، فسيكون من الحصافة الانتباه إلى ما يُنذر به المستقبل القريب من أزمات إضافية، أو تعميق للأزمات السابقة والمزمنة، حتى إذا لم نأخذ في الحسبان الخطط الأوروبية للاستغناء عن النفط والغاز، والاعتماد بحلول سنوات قليلة على الكهرباء المولَّدة من دونهما.
ليس ما سبق ترجيحاً لعوامل التشاؤم على عوامل التفاؤل، فالأولى راجحة بحكم الواقع المعروف الذي يحتاج معجزة كبرى غير واردة حالياً؛ ليس في هذه الظروف، وليس في عهد ترامب. فأحوال الدول المعنية لا تشبه أحوال أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لتَعِد بنهضة مماثلة، ولا تشبه حتى أحوال شرق آسيا في الستينات، لتعبر على جسر المساعدات الخارجية إلى الازدهار. أغلب الظن أننا، بتعبير غير مجازي تماماً، لسنا في نهاية الحرب العالمية الثانية؛ نحن بين الحربين
عمر قدور
كاتب سوري مقيم في فرنسا


